لم تكن حقيبة ملابسها الملقاة في وحل الشارع هي كل ما خسرته لين في تلك اللحظة، بل كانت كرامتها وإنسانيتها تُسحقان تحت أقدام أقرب الناس إليها.
«خذها بعيداً عن وجهي، خذها مع ذلك الصغير الذي تحمله بين يديها. لا مكان لها في هذا المنزل، ولعلها تفيدك في استجداء عطف الناس في الطرقات؛ فهي بلا فائدة تماماً مثل والدتها الراحلة. إنها جالبة للمصائب، لم تكد تبلغ الثامنة عشرة من عمرها حتى انتهى أجل زوجها لتستريح منه.. هذه الفتاة تجلب الخزي لعائلتنا لأنها بلا سند، لكنني لن أسمح بحدوث ذلك. اذهب بها بلا عودة، فلم يعد لها مكان بين جدران هذا البيت، والحمد لله أن والدك يغيب هذه المرة ولن يتمكن من حمايتك كما كان يفعل دائماً».
كانت تلك الكلمات القاسية تنهمر من فم زوجة أبيها وهي تقذف بصرتها الصغيرة من الثياب في وجهها، آمرة إياها بالرحيل الفوري برفقة ذلك الرجل الذي لا مأوى له. لم يدر بخلد لين قط أن تلقى هذا المصير المرير؛ أن تُطرد من بيت والدها كشيء عديم القيمة، وتُجبر على الارتباط برجل مشرد في مشهد بالغ المهانة. ورغم دموعها الحارقة ورجائها الحار، لم تجد نفساً واحدة تشفق عليها أو تعترض على هذا الظلم. وقف الجيران عند أعتاب منازلهم يراقبون المشهد؛ تعالت ضحكات بعضهم سخرية، بينما آثر آخرون الصمت والمشاهدة.
كانت لين قد وضعت طفلها للتو، ذلك الصغير الذي رأى فيه الجميع وصمة عار لا أكثر. في تلك السن الصغيرة، خُيل إليها أن دورتها في هذه الحياة قد انتهت، وأن كل آمالها قد تبددت… أو هكذا بدا لها الأمر. كيف بدأت هذه السلسلة من المعاناة؟
قبل عشرة أشهر، وتحديداً في حدود الساعة العاشرة ليلاً، كانت لين تغط في نوم عميق والهدوء يلف أرجاء القرية المظلمة. فجأة، أيقظتها زوجة أبيها بعنف، ودفعت إليها ببعض النقود لتذهب وتشتري علبة ثقاب لليوم التالي. حاولت الفتاة الاعتراض محتجة بأن الليل قد انتصف والظلام دامس، لكن رد زوجة أبيها كان صفعة عنيفة ألقتها خارج البيت مجبرة إياها على السير في العتمة.
بعد دقائق معدودة من سيرها في تلك الطرقات الموحشة، شعرت بقبضة قوية تطبق عليها من الخلف، وتكتم أنفاسها وتسحبها إلى مكان مجهول… لا تسعفها الذاكرة بتفاصيل ما جرى بعدها، وكل ما استوعبته هو استيقاظها في الصباح التالي داخل خراب مهجور، بثياب ممزقة وجسد منهك يملؤه الألم. تذكرت فقط تلك القبضة الغادرة… وحين تفقدت حالها، أدركت حجم الأذى البالغ الذي لحق بها رغماً عنها.
عادت إلى المنزل والدموع تملأ عينيها، لكن بدلاً من أن تجد يداً تواسيها، استقبلتها زوجة أبيها بصفعة أسقطتها أرضاً وهي تصرخ في وجهها: «يا لكِ من فتاة مستهترة! أرسلتكِ في مهمة بسيطة، فإذا بكِ تقضين ليلتكِ مع الغرباء وتعودين في الصباح بدموع مصطنعة وملابس ممزقة!» وانهالت عليها بالضرب المبرح دون أن تمنحها فرصة للدفاع عن نفسها أو شرح ما جرى. أما والدها، السيد «عادل»، فكان يعمل في ورشة بناء في مناطق الشمال البعيدة، ولم يكن ليعود قبل مضي عدة أشهر، فظل جاهلاً بكل ما يحدث لابنته. أدركت زوجة الأب أن الفتاة باتت بلا حامٍ، فواصلت التضييق عليها حتى تداعى جسدها الضعيف.
ولم تكتفِ بذلك، بل أجبرتها على الارتباط برجل مسن مقابل مبلغ من المال، وقبل أن يرى طفلها النور، فارق ذلك المسن الحياة وانتهى أجله.
بعد فترة، بدأت الفتاة تشعر بإعياء مستمر ونعاس لا ينقطع، وعندما انتبهت زوجة الأب لتلك العلامات، اقتادتها إلى المشفى حيث تبين أنها تحمل جنيناً في أحشائها. تعرضت لين للتنكيل والضرب من عتبة المشفى وحتى باب البيت، وهناك جمعت زوجة الأب أهل الحارة لتعلن زواجها السابق من المسن بأسلوب مهين قائلة: «انظروا إلى هذه المستهترة! إنها تسير على خطى أمها؛ فضلت الارتباط بمسن، وقد وافقنا على ذلك لستر هذا البيت. والآن سأزوجها مجدداً بنفس الطريقة لتغادرنا برفقة هذا المتشرد بعد رحيل زوجها المزعوم».
في ذلك اليوم العصيب، أيقنت لين أن سنوات براءتها قد تبخرت، وأن حبل رجائها قد انقطع. كانت تقضي لياليها في بكاء صامت وتضرع مستمر لعل والدها يعود لينتشلها من هذا العذاب… لكن غيابه طال، ولم تملك وسيلة للتواصل معه في منفاه البعيد.
وفي غمرة هذا الحزن، لاحت في ذاكرتها تفاصيل رحيل والدتها، الزوجة الثانية لأبيها. كانت لين في العاشرة من عمرها حين رأت في منامها زوجة أبيها وهي تضع السم في طعام والدتها. استيقظت حينها فزعة تتوسل لأمها ألا تقترب من ذلك الطعام، لكن الأم الطيبة ظنت الأمر مجرد أضغاث أحلام لطفلة صغيرة. وفي صباح ذلك اليوم، تناولت الأم الطعام الذي أعدته لها ضرتها، لتعود لين بعد وقت قصير وتجد والدتها تتألم بشدة على الأرض والرغوة البيضاء تحيط بوجنتيها، وهي تشير بصعوبة بالغة إلى بقايا الطعام وتقول بصوت مكسور:
«زوجة أبيكِ… هي من قدمت لي هذا… لقد صدقتِ يا ابنتي… لقد حذرتِني…» ثم أسلمت الروح وفارقت الحياة. كانت تلك اللحظة نقطة التحول وبداية مأساة لين؛ فمنذ ذلك الحين، علمت زوجة الأب أن الطفلة باتت تدرك سرها الدفين، وحاولت جاهدة الخلاص منها بكل السبل. وما تمر به الفتاة اليوم لم يكن سوى الفرصة الذهبية التي انتظرتها تلك المرأة طويلاً لتطردها إلى الأبد وتغلق تلك الصفحة. لو عجبتك الرواية لايك و سيبلي كومنت وهرد عليك باللينك الرواية كامله بترتيب أحداثها