منوعات

في ليله زفافي الجزء التاني

فتحت الظرف بأصابع مرتعشة، وأخرجت أول ورقة. كانت ورقة رسمية مختومة بختم المحكمة. قرأت السطر الأول، ثم توقفت أنفاسها. “إقرار بإثبات النسب وحق الميراث.” رفعت عينيها إلى ماتيو. — يعني إيه الكلام ده؟ لم يجبها فورًا. أشار إلى الأوراق. — كملي. بدأت تقرأ. وكانت الصدمة الأولى أن الرجل الذي ربّاها طوال حياتها لم يكن والدها البيولوجي. أما الصدمة الثانية، فكانت أكبر. والدها الحقيقي كان رجلًا ثريًا من خارج القرية، توفي قبل سنوات وترك ثروة كبيرة لابنته الوحيدة.

وهي كانت تلك الابنة. وضعت يدها على فمها. — مستحيل… قال ماتيو بهدوء: — والدك الحقيقي مات وإنتِ طفلة. وعيلتك أخدت أوراق تثبت إنك بنته، وبعدها أخفوا الحقيقة عنك. قلبت الصفحة بسرعة. كانت هناك تقارير طبية قديمة، وصور، وشهادة ميلاد أصلية باسم والدها الحقيقي. ثم وصلت إلى الصفحة التي جعلت وجهها يشحب. كان هناك محضر قانوني يثبت أن عائلتها الحالية كانت تتولى إدارة أموالها باعتبارها قاصرًا، وأن جزءًا كبيرًا من ممتلكات والدها ظل باسمها حتى بلوغها السن القانونية.

لكن عندما بلغت سن الرشد… لم يخبرها أحد. بل أخبروها أنها لا تملك شيئًا. وأن والدها ترك ديونًا فقط. شهقت وهي تقول: — يعني… كانوا عارفين إني غنية؟ أجاب ماتيو: — من أول يوم. جلست على حافة السر,,ـــــير وهي غير قادرة على استيعاب الأمر. تذكرت كل مرة طلبت فيها شيئًا بسيطًا فقيل لها إن العائلة لا تستطيع تحمل تكلفته. كل مرة شعرت فيها أنها عبء. كل مرة طلبت فيها من أمها أن تشتري لها فستانًا جديدًا، فقيل لها:

“إحنا بنعمل اللي نقدر عليه.” ثم تذكرت شيئًا آخر. كيف كانوا دائمًا يطلبون منها ألا تسأل عن أوراق والدها. وكيف كان والدها الذي ربّاها يصر على أن تتزوج بسرعة. رفعت رأسها نحو ماتيو. — بس ليه جوزوني منك؟ أخذ ماتيو نفسًا عميقًا. — لأنهم كانوا خايفين إن الحقيقة تظهر. — وإيه علاقتك بالموضوع؟ أخرج ماتيو ورقة أخرى من الظرف. كانت تحمل اسم مكتبه القانوني. قال: — قبل ما نتقابل، جالي ملف قضائي بخصوص ممتلكات والدك الحقيقي.

اتسعت عيناها. — يعني أنت كنت تعرفني قبل ما تتقدملي؟ — عرفت اسمك وقصتك القانونية، لكن ماكنتش أعرف إنك عايشة بالطريقة دي. سكت لحظة، ثم أكمل: — لما قابلتك، فهمت إنهم بيحاولوا يبعدوكي عن أي حد ممكن يكتشف الحقيقة. ولما عرفت إنهم بيخططوا لجوازك بسرعة، قررت أراقب الموضوع. نظرت إليه بصدمة. — وعشان كده مثلت إنك أعمى؟ أومأ. — أيوه. ثم قال: — كنت عايز أشوف الناس على حقيقتهم لما يفتكروا إني مش شايف.

بدأت دموعها تنزل. — وأنت… كنت شايفني؟ ابتسم ابتسامة صغيرة. — من أول مرة. خفضت رأسها بخجل. فقال: — وشفت خوفك، مش علامتك. رفعت عينيها إليه. — طيب ليه ماقولتليش من الأول؟ اقترب منها خطوة، وقال: — لأنك كنت محتاجة لأول مرة في حياتك حد يتعامل معاكي من غير ما تكوني مضطرة تخبي وشك. ولو قلتلك إني شايف، كنت هتفضلي طول الوقت تسألي نفسك: هو شايفني إزاي؟ سكتت. ثم نظرت إلى الورقة مرة أخرى.

— وإيه اللي هيحصل دلوقتي؟ أجابها ماتيو بثبات: — دلوقتي حقك هيرجعلك. وفي صباح اليوم التالي، ذهب الاثنان إلى المحكمة. تم فتح الملف القديم رسميًا، وأعيد فحص المستندات، وأُجري اختبار النسب القانوني الذي أثبت بشكل قاطع أنها الابنة البيولوجية للرجل الذي ترك الثروة. وخلال أسابيع، صدـ,,ـــر الحكم بإعادة الممتلكات والأموال التي كانت مسجلة باسمها. أما أفراد عائلتها، فقد اضطروا إلى مواجهة المستندات التي أخفوها عنها لسنوات. وعندما واجهتهم، لم تصرخ.

لم تنتقم. فقط قالت لوالدتها: — أنتِ علمتيني أخاف من وشي، لكن الحقيقة إنكم كنتم عايزين أخوف من الحقيقة. لم تجد أمها ما تقوله. أما الرجل الذي ربّاها، فاعترف أخيرًا بأنه أخفى عنها ميراثها لأنه كان يخشى أن تستقل عنه، وأنها عندما تكبر وتعرف الحقيقة ستترك العائلة. لكن اعترافه لم يغير شيئًا. فقد بدأت حياتها الجديدة. استخدمت جزءًا من ميراثها في تأسيس مركز لدعم الأطفال الذين يعانون من التنمر بسبب اختلافات شكلية أو علامات جسدية.

وأطلقت عليه اسم والدها الحقيقي، تكريمًا للرجل الذي لم تعرفه في حياتها، لكنه ترك لها مستقبلًا لم تستطع عائلتها أن تسلبه منها إلى الأبد. أما ماتيو، فاستمر في عمله كمحامٍ، لكنه لم يعد يخفي بصره عن أحد. وفي إحدى الأمسيات، وقفت أمام المرآة دون مكياج، ودون شعر يغطي نصف وجهها. كانت تنظر إلى انعكاسها بهدوء. دخل ماتيو الغرفة، فنظرت إليه وقالت: — فاكر أول مرة شوفتني فيها؟ ابتسم. — مستحيل أنساها.

ضحكت وقالت: — وأنا كنت فاكرة إنك مش هتشوفني أبدًا. اقترب منها وقال: — أنا شفتك من أول يوم… بس الفرق إني شفت الإنسانة اللي جوا العلامة، مش العلامة اللي على وشك. ابتسمت لأول مرة دون أن تحاول إخفاء وجهها. وفي تلك اللحظة فهمت أن أكبر كذبة عاشتها لم تكن أن زوجها أعمى. بل أن عائلتها أقنعتها طوال حياتها بأن وجهها هو الشيء الذي يجب أن تخجل منه. أما الحقيقة، فكانت أبسط بكثير:

هي لم تكن وحشًا كما وصفها الناس… كانت فقط فتاة قضت عمرها بين أشخاص جعلوها تصدق ذلك. ومن يومها، لم تعد تخفي وجهها عن أحد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى