أول ما بنتي جريت من البيت، أنا افتكرتها هتروح على بيت طليقها وتترجى عليه يرجع لها الولد. لكن اللي حصل كان أبشع بكتير… بعد حوالي ساعة، لقيت باب البيت بيخبط بعنف. فتحت، لقيت بنتي واقفة قدامي… وشها أبيض زي الورق، وهدومها متبهدلة من الجري، ودموعها نازلة من غير صوت. قالتلي بصوت مبحوح: — هو أخد محمد ومشي… مش موجود في البيت. قلبي وقع. قلت لها: — يعني إيه مش موجود؟ ما هو أبوه أخده!
صرخت في وشي: — أخده ومشي! أمه قالت إنهم هيسافروا بيه عند أهل أبوه ومش هعرف أوصله! ساعتها بس حسيت إن الأرض بتتسحب من تحت رجلي. حاولت أهون عليها وقلت: — ما تخافيش، أكيد هيرجعوه. بصتلي نظرة عمري ما هنساها وقالت: — إنتي اللي وديتيه ليهم يا أمي… إنتي اللي سلمتيهم ابني بإيدك. الكلمة دخلت في قلبي زي السـ,ـكينة. فضلت تعيط وتقول: — أنا كنت مستعدة أجوع… أشتغل ليل نهار… أنام في الشارع معاه… بس ما كانش ينفع تاخديه مني.
في اللحظة دي، فهمت إني كنت فاكرة إني بحل مشكلة… وأنا في الحقيقة كنت بهد آخر حاجة بنتي كانت متعلقة بيها. قعدنا ندور عليه بالساعات، لحد ما بنتي عرفت عنوان المكان اللي أخدوه فيه. جرينا هناك، لكن طليقها رفض يفتح الباب. وقف ورا الباب وقال: — ابني في بيتي، ومحدش هيخرجه مني. بنتي انهارت على الأرض وقالت: — ده ابني… أنا أمه! لكنه رد ببرود: — كان ابنك… دلوقتي أنا هاخد حقي فيه.
رجعنا مكسورين. وفي الأيام اللي بعدها بنتي بطلت تروح الشغل، وبقت قاعدة طول اليوم ماسكة هدوم محمد الصغيرة وبتشم ريحته. أما أنا… فكل يوم كنت ببص على المكان اللي كان بينام فيه، وأفتكر إيدي وهي بتاخده من بنتي وأقول: “أنا عملت إيه؟!” بعد أسبوع، جالي اتصال من صاحبة المشغل. قالتلي إن بنتي ما راحتش الشغل، وإنها سألت عنها. قلت لها الحقيقة. وفجأة قالتلي: — بنتك لازم ترجع شغلها فورًا… أنا سمعت إن طليقها ناوي يمنعها تشوف الولد نهائيًا.
الكلمة دي خلتني أتحرك. لأول مرة في حياتي، بدل ما أقول لبنتي “سيبيه”، قلت لها: — قومي يا بنتي… هنرجع ابنك. روحنا لمحامي، واستلفنا فلوس، وبدأنا الإجراءات القانونية. والأيام عدت علينا تقيلة جدًا. لحد ما جه اليوم اللي المحكمة قررت فيه إن الطفل يرجع يعيش مع أمه، وإن أبوه له حق الزيارة وفقًا للقانون. لما سمعت الحكم، بنتي فضلت واقفة مش مصدقة. وبعد دقائق، دخل محمد. أول ما شاف أمه جري عليها وحضنها.
بنتي وقعت على ركبتها وفضلت تبكي وهي بتضمه: — وحشتني يا حبيبي… وحشتني يا ضنايا. وأنا كنت واقفة بعيد. محمد بصلي، ومد إيده الصغيرة ناحيتي وقال: — تيتي… ساعتها مقدرتش أتماسك. قعدت على الأرض وعيطت وقلت لبنتي: — سامحيني يا بنتي… أنا كنت فاكرة إني بحميكي من الفقر، طلعت أنا اللي كنت هحرمك من أغلى حاجة في حياتك. بنتي سكتت شوية، وبعدين قالت: — أنا مسامحاكي يا أمي… بس أوعديني إنك عمرك ما تخليني أختار بين لقمتنا وبين ابني تاني.
حضنتها وأنا بعيط وقلت: — أوعدك. العريس اللي كنت بجري وراه؟ بنتي رفضته نهائيًا. وقالتلي: — أنا مش محتاجة راجل يخليني أختار بينه وبين ابني. اللي هيحبني بجد، هيحبني أنا وابني مع بعض. ومن يومها، بنتي كملت شغلها، وربت ابنها، ومع الوقت فتحت مشغل صغير باسمها. أما أنا… فكل ما أشوفها وهي ماشية جنب محمد، أفتكر اليوم اللي خدته فيه من وراها. وأحمد ربنا كل يوم إنه اداني فرصة أصلح غلطتي قبل ما أخسر بنتي للأبد.
وعرفت متأخر إن الفقر ممكن يتعبنا… لكن اللي يكـ,ـسر القلب بجد إن الأم نفسها تحاول تقنع بنتها إن ضناها حمل لازم تتخلص منه. وأصعب درس اتعلمته: ما ينفعش نحاول نصلّح حياة حد بقرار ممكن يدمّر حياته.