دخلت القاعة وأنا ماسكة الملف بإيدي. جوزي أحمد كان رافض ييجي. قال لي: — سيبيهم يا أم حنان. إحنا مش هننزل لمستواهم. لكن أنا قلت له: — أنا مش رايحة أفسد فرحتهم. أنا رايحة أرجع حق بنتنا. وأخدت الملف ومشيت. أول ما دخلت، ناس كتير بصتلي باستغراب. عبلة شافتني. ابتسامتها اختفت. قربت مني وقالت بصوت واطي: — إنتِ جاية هنا ليه؟ رديت: — جاية أحضر فرح بنت أخو جوزي. قالت بسخرية:
— بعد اللي حصل؟ بصيت لها وقلت: — اللي حصل لبنتي أنا مش هنساه، بس مش هخلي الغل يخليني أبقى شبهكم. سكتت. لكن قبل ما تكمل كلامها، العريس نفسه لمح الملف اللي في إيدي. قال: — هو في إيه؟ بصيت له وقلت: — اسأل والدتك. عبلة اتوترت. — مفيش حاجة. فتحت الملف. وطلعت أول ورقة. كانت نتيجة تحليل طبي قديم. لكن مش تحليل حنان. كان تحليلًا يخص نرمين. العريس أخد الورقة، وبدأ يقرأ.
وشه اتغير. قال: — إيه ده؟ عبلة حاولت تاخد الورقة من إيده. — سيبها. لكنه منعها. — دي نتيجة من قبل الخطوبة؟ سكتت. العريس بص لنرمين. — إنتِ كنتِ عارفة؟ نرمين بدأت تعيط. — أنا… ما قدرتش تكمل. الحقيقة كانت إن نرمين كانت عارفة إنها غير قادرة على الإنجاب بشكل طبيعي بسبب مشكلة طبية قديمة، والأطباء كانوا موضحين لها إن العلاج ممكن يساعد، لكن مفيش ضمان. وكانت عارفة إن العريس نفسه كان قال من أول مقابلة إنه عايز يكون عنده أولاد.
المشكلة مش في مرضها. المشكلة إن عبلة ونرمين أخفوا الحقيقة عنه تمامًا. لكن ده ما كانش كل السر. طلعت الورقة التانية. كانت رسالة مكتوبة من نرمين لخطيب حنان قبل فسخ الخطوبة. رسالة كانت بتطلب منه يقابلها بعيد عن العيلة، وتقول له فيها إنها معجبة بيه وإنها مستعدة توافق عليه لو هو فسخ خطوبته من حنان. العريس قرأ الرسالة. وبعدين بص لنرمين. — يعني إنتِ اللي بدأتي؟ نرمين انهارت في العياط.
عبلة حاولت تدافع عنها: — بنتي كانت بتحبه! رد عليها أحمد، جوزي، لأول مرة: — تحبه؟ ولا كانت بتسرق خطوبة بنت أخوها؟ سكتت عبلة. أما أنا فقلت: — أنا ما جبتش الورق ده علشان أوجعكم. أنا جبته علشان الحقيقة ما تتدفنش مع دموع حنان. العريس وقف ساكت. وبعدين قال: — أنا محتاج أتكلم مع نرمين لوحدنا. خرجوا من القاعة. بعد حوالي عشرين دقيقة، رجع. كان وشه هادي جدًا. قال قدام العيلتين:
— أنا مش هكمل الجواز. عبلة صرخت: — إنت بتعمل إيه؟! قال: — أنا مش سايبها بسبب مرضها. أنا سايبها بسبب الكذب. وبص لنرمين وقال: — لو كنتِ قلتيلي الحقيقة من البداية، كان ممكن نتكلم ونقرر مع بعض. لكن إنك تخبي عني حاجة أساسية وتبدأي علاقتنا بكسر خطوبة بنت عمك… أنا مقدرش أكمل. نرمين خلعت الدبلة وهي بتعيط. القاعة كلها سكتت. أما أنا، فحسيت إن حنان أخيرًا أخدت نفس. مش فرحانة إن نرمين اتوجعت.
لكن فرحانة إن الحقيقة ظهرت. بعدها رجعت البيت. لقيت حنان قاعدة في أوضتها. قعدت جنبها. قالت: — حصل إيه؟ قلت: — الحقيقة ظهرت. بصتلي. — يعني إيه؟ حكيت لها كل اللي حصل. فضلت ساكتة. وبعدين قالت: — ماما… أنا مش عايزة الشخص ده يرجعلي. استغربت. — ليه؟ قالت: — لأنه اختار يسبني أول ما شاف واحدة تانية. حتى لو رجع، أنا مش هقدر أثق فيه. حضنتها. ولأول مرة من أسابيع، شفت ابتسامة صغيرة على وشها.
بعد كام شهر، حنان بدأت ترجع لحياتها. رجعت شغلها، وخرجت مع صاحباتها، وبقت تهتم بنفسها. أما محمد، أخو جوزي، فكان أكتر واحد مكسور. لأنه اكتشف إن موافقته السريعة على فسخ خطوبة بنته من أخته كانت غلطة عمره. راح لأحمد وقال: — أنا ظلمتك وظلمت حنان. أحمد قال: — اللي حصل حصل. محمد رد: — لأ… أنا لازم أقولها. كنت فاكر إن “النصيب” كلمة تريح الواحد من المسؤولية. بس أنا استخدمتها علشان أهرب من الحقيقة.
وبالفعل، اعتذر لحنان بنفسه. أما عبلة، فكانت غاضبة من الجميع في البداية. لكن بعد فترة، بدأت تفهم إن اللي حصل كان نتيجة تربيتها لنرمين على المقارنة والطمع في اللي عند غيرها. أما نرمين، فدخلت في علاج نفسي وأسري، وبدأت تواجه أخطاءها بدل ما تلوم حنان. وبعد سنة تقريبًا، حصلت حاجة محدش كان متوقعها. حنان اتقدملها شاب محترم عن طريق معارف العيلة. شاب ما يعرفش حاجة عن اللي حصل إلا بالقدر اللي حنان اختارت تحكيه.
ولما عرف، قال لها: — أنا مش فارق معايا إنتِ اتسابتي ليه. أنا يهمني إنتِ مين دلوقتي. حنان بصت لأمها. وأمها ابتسمت. المرة دي، الخطوبة تمت من غير مقارنة. ومن غير حد يحاول يخطف نصيب حد. ويوم فرح حنان، كان أحمد واقف جنبها ودموعه في عينه. قال لها: — المرة دي أنا اللي هسلمك بإيدي. ضحكت حنان. وفي آخر الفرح، شافت نرمين من بعيد. نرمين ابتسمت لها. حنان ردت الابتسامة.
مش لأن اللي حصل اتنسى… لكن لأنها قررت ما تعيشش عمرها كله أسيرة له. أما أم حنان، فكانت واقفة جنب جوزها وقالت: — فاكر لما قلتلي بلاش نروح فرحهم؟ أحمد ابتسم وقال: — أيوه. قالت: — لو ما روحناش، الحقيقة كانت هتفضل مستخبية. رد عليها: — والحمد لله إنك روحتي… بس الأهم إنك رجعتي بنتنا لنفسها. وبالفعل، حنان ما أخدتش حقها في صورة فضيحة أو انتقام. أخدته في صورة أهم:
إنها عرفت قيمتها، ورفضت ترجع لشخص اختارها أولًا ثم استبدلها بمجرد ما لاحت له فرصة. ومن يومها، انتهت الحكاية بين العيلتين بحدود واضحة، وبدأت حنان حياة جديدة من غير ما تحمل في قلبها رغبة في الانتقام. لأن أحيانًا أقوى رد على اللي كسر قلبك… إنك تبني حياة أجمل من غيره.