منوعات

طلقت مراتي الجزء التاني

فتحت عيني على صوت التليفون. رقم غريب. رديت وأنا لسه نص نايم: — ألو؟ جالي صوت راجل رسمي: — أستاذ كريم؟ — أيوه. — أنا الدكتور سامح، الطبيب اللي تابع حالة مدام فريدة. صحيت مرة واحدة. — فريدة؟ حصلها إيه؟ سكت الدكتور ثواني، وبعدين قال: — هي كويسة، لكن لازم حضرتك تعرف حاجة مهمة جدًا. قلبي بدأ يدق بسرعة. — قول. — بعد العملية، إحنا طلبنا منها متابعة مستمرة وتأهيل صوتي. لكن في آخر زيارة، ظهرت نتيجة تحليل لازم حضرتك تعرفها.

قلت بتوتر: — نتيجة إيه؟ قال: — الورم اللي اتشال من الأحبال الصوتية كان محتاج متابعة دقيقة جدًا، وفيه احتمال لعودة المشكلة لو العلاج والتأهيل ما اتكملوش. قلت: — طيب ما هي عند أهلها، خليهم يتابعوا معاها. رد بهدوء: — أهلها؟ هي مفيش عندها حد تقريبًا موجود معاها بالشكل الكافي. سكت. ثم قال: — بس دي مش أهم حاجة. — أومال إيه؟ قال جملة واحدة: — فريدة طلبت مننا نكلمك لو حصل لها أي تطور… لأنك كنت الشخص الوحيد المسجل كجهة اتصال طوارئ.

اتجمدت. أنا اللي طلقتها. أنا اللي قلت لها إنها بقت عبء. ومع ذلك… لسه اسمي موجود في ملفها كأول شخص يتصلوا بيه لو حصل لها شيء. قلت بصوت مبحوح: — هي فين دلوقتي؟ الدكتور قال: — في المستشفى. لبست هدومي ونزلت من غير ما أفكر. وأول ما وصلت، لقيت والد فريدة واقف قدام غرفة الكشف. بصلي بحدة وقال: — جاي ليه؟ قلت: — عايز أشوفها. رد: — بعد ما كسرت بنتي وطردتها؟ دلوقتي افتكرتها؟

وطى صوته وقال: — إنت متعرفش هي عملت إيه بعد ما رجعت. سألته: — عملت إيه؟ قال: — باعت دهبها عشان تكمل علاجها بنفسها، ورفضت تقول لك أي حاجة. حسيت إن الأرض بتتحرك تحتي. دخلت الغرفة. فريدة كانت قاعدة قدام الشباك. أول ما شافتني، اتفاجئت. قربت منها. — فريدة… رفعت إيدها، ووقفتني. فتحت موبايلها وكتبت: “إنت جاي ليه؟” قلت: — الدكتور كلمني. كتبت: “أنا كويسة.” قلت: — ليه مخبيتيش عليا؟

بصتلي شوية، وبعدين كتبت: “عشان إنت اخترت تخرجني من حياتك.” الكلمة كانت أقسى من أي صوت. قعدت قدامها وقلت: — أنا كنت غبي. ابتسمت ابتسامة حزينة. كتبت: “مش غبي يا كريم… إنت كنت شايفني كويسة طول ما صوتي بيساعد صورتك قدام الناس.” معرفتش أرد. لأول مرة، حسيت بالخجل من نفسي. مش من صوتها. من تفكيري. قلت لها: — أنا آسف. كتبت: “الاعتذار مش هيرجع السنتين اللي ضاعوا.” قلت: — عارف.

سكت شوية، وبعدين قلت: — بس ممكن يصلح اللي جاي. بصتلي طويلًا. أنا مكنتش بطلب منها ترجع. ولا حتى كنت بطلب فرصة. كنت بس عايز أصلح جزء من الخراب اللي أنا عملته. بدأت أتحمل تكاليف علاجها وتأهيلها، من غير ما أضغط عليها ترجع لي. وبعد شهور، حالتها بدأت تتحسن تدريجيًا. صوتها رجع بنسبة بسيطة. كان ضعيفًا ومتقطعًا… لكن بالنسبة لي، بقى أجمل صوت سمعته في حياتي. وفي يوم، دخلت عليا في المكتب.

وقفت قدامي وكتبت على موبايلها: “عندي حاجة أقولها لك.” قلت: — قولي. حاولت تتكلم. خرج صوتها ضعيفًا جدًا: — أنا… مش هرجعلك. نزلت عيني. وبعدين كملت: — بس… سامحتك. بصيتلها وأنا مش قادر أتكلم. قالت: — عشان متفضلش طول عمرك تعاقب نفسك. وبعدين ابتسمت ومشيت. بعد سنة، فريدة رجعت تشتغل من جديد، لكن المرة دي مش كمذيعة. بدأت تقدم محتوى صوتي لمساعدة الناس اللي مروا بتجارب مشابهة، وصوتها الضعيف أصبح جزءًا من رسالتها، مش عيبًا تخجل منه.

أما أنا… فخسرت الترقية اللي كنت مستعد أخسر مراتي عشانها. وبعدها بفترة، سبت شغلي في العلاقات العامة وبدأت مشروعًا صغيرًا بعيدًا عن عالم المظاهر. وفي كل مرة كنت أفتكر الجملة اللي قلتها لها: “كفاية إحراج.” كنت أفهم إن الإحراج الحقيقي… مكنش صوت فريدة. الإحراج الحقيقي كان إني حبيت صورتها قدام الناس أكتر من الإنسانة اللي كانت بتحبني. أما المكالمة اللي صحيتني من النوم؟ فهي فعلًا غيرت حياتي كلها… لأنها خلتني أفهم متأخر إن بعض الناس لما نفقدهم، مش بنكتشف قيمتهم…

بنكتشف قيمتنا إحنا الحقيقية من غيرهم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى