منوعات

اخويا بيتصرف الجزء التاني

فضلت باصص لسمير وأنا مش قادر أستوعب كلمة واحدة من اللي قالها. قلتله: “مرض إيه؟! وإيه علاقة منة بالموضوع؟!” سمير بلع ريقه، وقعد على السور الصغير اللي في آخر السطح. وقال: “اقعد يا شريف… لازم تعرف كل حاجة.” قعدت قدامه وأنا حاسس إن رجلي مش شايلاني. قال: “فاكر من كام شهر لما كنت بتشتكي من الدوخة والتعب المستمر؟” هزيت راسي. قال: “منة كانت معاك يوم ما الدكتور طلب منك تحاليل وفحوصات زيادة. يومها الدكتور اكتشف إن عندك مشكلة صحية محتاجة متابعة وعلاج، وطلب منها متقولكش الكلام كامل لحد ما تظهر نتيجة الفحوصات النهائية.”

اتنفضت وقلت: “ومنة كانت عارفة؟” قال: “أيوه.” “وأنت؟” سكت شوية وبعدين قال: “أنا عرفت بالصدفة. سمعتها وهي بتتكلم مع الدكتور في التليفون.” بصيتله باستغراب. “طب وإيه علاقة الجلابية؟” ابتسم ابتسامة حزينة وقال: “الجلابية دي مش عشان أتغزل في مراتك ولا عشان ألفت نظرها. دي كانت هدية منها لأمي.” اتصدمت. قال: “منة كانت عايزة تفرّح أمي عشان كانت تعبانة، وطلبت مني أجيب لها حاجة تلبسها. وأنا غلطت وجبت اللون الأحمر، لأنك كنت دايمًا بتقول إن أمي بتحبه.”

قلتله: “طب ليه قلت إنها لمنة؟” قال: “عشان كنت بهزر معاها لما رجعت، ومكنتش أعرف إنك هتشوفها.” حسيت إني بدأت أفهم. قلت: “والنظرات؟” سمير تنهد وقال: “النظرات اللي إنت شايفها كانت لأنك كنت بتراقبني وأنا بحاول أعرف منك إذا كنت عملت الفحوصات ولا لأ. كنت خايف عليك ومش عايز أفتح الموضوع قدامك.” سكت. وبعدين قال الجملة اللي وجعتني أكتر من أي اتهام: “أنا مش كنت ببص لمراتك يا شريف… أنا كنت ببص لك أنت، بس كل مرة كنت بتبصلي في نفس اللحظة.”

نزلت عيني للأرض. افتكرت كل موقف. كل مرة شوفته بيتكلم مع منة. كل مرة كانت منة تضحك. كل مرة دخل المطبخ يساعدها. كل مرة كنت أنا أفسر حاجة بريئة على إنها خيانة. وفجأة حسيت بعار شديد. قلتله: “طب ليه منة كانت بتدافع عنك وبتقول إني موهوم؟” قال: “لأنها كانت عايزة تمنعك تظلم أخوك من غير دليل. ولأنها كانت عارفة إنك لو فضلت تشك فيا، البيت كله هيتدمر.” سكت شوية. وبعدين أضاف:

“بس هي كمان كانت غلطانة إنها خبت عليك موضوع مرضك.” بصيتله. “يعني إيه؟” قال: “هي كانت خايفة عليك. الدكتور كان لسه بيعمل فحوصات، ومكانش عايز يخضك قبل ما يتأكد.” في اللحظة دي، حسيت إن الدنيا كلها بتلف بيا. أنا كنت فاكر إن أخويا عايز مراتي. طلع أخويا خايف عليا. وكنت فاكر إن مراتي بتدافع عن علاقة مشبوهة. طلعت بتحاول تحافظ على بيتي وعلى أخويا من اتهامي. نزلت من السطح وأنا مش قادر أرفع عيني في وش حد.

دخلت على منة. كانت واقفة في المطبخ ووشها باين عليه إنها كانت بتعيط. بصيتلها وقلت: “ليه مخبية عليا؟” بدأت تعيط وقالت: “كنت خايفة عليك يا شريف. الدكتور قالي نستنى نتيجة الفحوصات النهائية، وأنا معرفتش أقولك إيه.” قربت منها وقلت: “وأنا ظلمتك.” هزت راسها وهي بتعيط: “أيوه… ظلمتني.” الجملة دي كانت أقسى عليا من أي خناقة. لأني عرفت إنها كانت بتدفع تمن خوف أنا صنعته في دماغي. دخلت أمي علينا وهي بتبصلي بحزن.

قالت: “أنا كنت عارفة إنك بتفكر غلط، بس معرفتش أوصلك للحقيقة من غير ما أخوفك أكتر.” بصيت لأخويا. قلتله: “سامحني يا سمير.” ابتسم وقال: “إحنا إخوات يا شريف.” لكن أنا وقفت قدامه وقلت: “لا… أنا مش هعديها بكلمتين. أنا ظلمتك واتهمتك في شرفك، وده ذنب كبير.” سمير ح.ضني وقال: “وأنا كنت لازم أقولك الحقيقة من الأول.” بعد أيام ظهرت نتائج الفحوصات. والحمد لله، المشكلة كانت بسيطة وقابلة للعلاج والمتابعة، والدكتور طمّننا إن مفيش داعي للرعب اللي كنت متخيله.

وقتها حسيت إن ربنا اداني فرصة أصلح كل حاجة. اعتذرت لمراتي قدام أمي وأخويا. وقلت لها: “أنا مش هطلب منك تنسي اللي حصل بسرعة، بس هثبتلك كل يوم إني اتعلمت.” ومن اليوم ده، اتغيرت حاجات كتير في البيت. منة بطلت تشيل مسؤولية أمي لوحدها، وسمير بقى يساعدها في شغل البيت، وأنا بطلت أفسر كل تصرف بعين الشك. وبعد فترة، سمير اتجوز فعلًا. ويوم فرحه، وأنا واقف جنبه، ضحكت وقلتله: “بس خد بالك… لو بصيت لمراتي حتى بصّة، أنا هفتكر الأيام القديمة!”

ضحك وض.ربني على كتفي وقال: “يا عم أنا هبص فين؟ أنا خلاص اتعلمت منك إن الشك ممكن يعمل مصيبة!” ضحكنا كلنا. أما منة، فقالت: “أهو اتعلمتوا إن السؤال أحسن من الظن.” وساعتها فهمت إن اللي كان ممكن يهدم بيتي بالكامل، ماكانش خيانة. كان سوء فهم، وخوف، وسكوت، وشك كبر في دماغي لحد ما بقى حقيقة وهمية. ومن يومها، بقى عندي قاعدة واحدة: لما أشك… أسأل. ولما ألاقي إجابة… أسمعها قبل ما أحكم.

لأن أوقات، أكتر حاجة بتوجعنا مش الحقيقة… إنما الحقيقة اللي بنكتشف إننا ظلمنا ناس بسبب خوفنا منها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى