الصدمة اللي شوفتها يومها كانت أكبر من أي حاجة كنت متخيلها. رجعت البيت بدري من الشغل، وأول ما دخلت لقيت أمي وإخواتي قاعدين في الصالة. بس كان فيه حاجة غريبة. مراتي كانت قاعدة قدامهم بهدوء شديد. مفيش عصبية. مفيش خناق. ولا حتى شكل واحدة خلاص هتسيب البيت. بصيت لأمي، فقالت: “قول له يا بنتي.” مراتي بصتلي وقالت: “أنا عرفت كل حاجة.” قلبي وقع. “عرفتي إيه؟” حطت موبايلها قدامي. كان عليه تسجيل لمكالمة بيني وبين أمي.
الصوت كان واضح. أنا وأنا بقول لها: “خليها تزهق وتمشي، أو تفتح الخزنة وتشتري الشقة.” وأمي بترد: “سيبها عليا، دي هتتعب من العزومات والطلبات.” حسيت إن الأرض اتسحبت من تحت رجلي. قلت: “إنتِ سجلتي المكالمة دي إزاي؟” ردت: “مش مهم إزاي.” وبعدين قالت الجملة اللي خلتني أسكت: “المهم إنك عرفتني بنفسك إنك كنت بتخطط تتجوز عليا.” أمي قامت وقالت بعصبية: “إحنا كنا بنهزر!” مراتي ضحكت. “هزار؟” وبعدين بصت لها: “العزومات اليومية كانت هزار؟”
“والطلبات اللي كنتوا بتطلبوها مني؟” “والفلوس اللي جوزي كان بيرفض يديني إياها عشان أصرف على أهله؟” أمي سكتت. مراتي كملت: “أنا من أول أسبوع فهمت إن وجودكم هنا مش طبيعي.” ثم بصتلي: “وكنت فاهمة إن موضوع الشقة الجديدة مش عشان نكبر بيتنا.” سكتت لحظة. “كنت عايز الشقة عشان تجهز مكان لجوازتك الجديدة.” وشي احمر من الإحراج. لكن المفاجأة الأكبر كانت لسه. مراتي فتحت ملف قدامها. وقالت: “وعشان كده، أنا كنت بعمل حاجة واحدة.”
فتحت الملف. كان فيه عقود ومراسلات ومستندات. “كل مصاريف البيت اللي دفعتها من فلوسي، وكل حاجة حصلت من وقت ما أمك دخلت البيت، موثقاها.” وبعدين أخرجت نسخة من عقد الشقة. “والشقة دي ملكي أنا.” أنا بصيت لها. “يعني إيه؟” قالت: “يعني مفيش شقة جديدة.” أمي صرخت: “إنتِ بتطردينا؟!” ردت بهدوء: “أنا مش بطرد حد.” ثم نظرت لي: “أنا بطلب من جوزي يختار.” “يا إما يرجع يحترم بيته ومراته.” “يا إما يكمّل حياته بالطريقة اللي اختارها.”
كنت ساكت. لكنها لم تنتظر إجابتي. قالت: “أنا مش هعيش مع رجل بيخطط يتجوز عليا من ورايا، ويستخدم أمه وأخواته عشان يضغط عليا أتنازل عن مالي.” أمي بدأت تقول: “إحنا عيلة واحدة!” مراتي ردت: “العيلة اللي بتحب بعض ما تتآمرش على بعض.” بعدها طلبت من أمي وإخواتي يرجعوا بيوتهم. ولأول مرة، أمي ما لقتش كلام تقوله. بعد ما خرجوا، قعدت أنا ومراتي لوحدنا. حاولت أبرر. قلت: “أنا كنت عايز أتجوز بس.”
قالت: “كنت عايز تتجوز من حقك لو ده اختيارك، لكن مش من حقك تجبرني أمول جوازتك من ورثي.” سكت. وبعدين قالت: “وأنت عارف أكتر حاجة وجعتني إيه؟” بصيت لها. “إنك ما حاولتش حتى تبني حياة جديدة معايا.” “إنت كنت بتحاول تخليني أمول حياة جديدة ليك مع واحدة تانية.” ماعرفتش أرد. وفي اليوم التالي، طلبت مني ننهي الزواج بهدوء. أنا في البداية رفضت. لكنها كانت حاسمة. وقالت: “أنا مش هنتقم منك.”
“ولا هاخد حاجة مش حقي.” “بس كمان مش هسيب حقي.” وبالفعل، بدأنا إجراءات الانفصال بشكل رسمي، وتمت تسوية الحقوق المالية كلٌ بحسب ما يثبت أنه ملكه. أما الشبكة والهدايا اللي كنت اشتريتها للعروسة الجديدة، فكنت قد دفعت فيها كل مدخراتي تقريبًا. والأسوأ؟ العروسة نفسها لما عرفت الحقيقة، رفضت تكمل. لأنها اكتشفت إن الجوازة كانت مبنية على طمع وضغط وخداع. وقالت لي: “لو أنت مستعد تهدم بيتك عشان فلوس مراتك، إيه اللي يضمنلي إنك مش هتعمل فيا نفس الحاجة؟”
وسابتني. وقتها فقط فهمت المصيبة اللي عملتها. كنت فاكر إن المشكلة في إن مراتي “بخيلة”. لكن الحقيقة إنها كانت بتحاول تحمي نفسها من شخص كان شايف ورثها فرصة لتحقيق أحلامه هو. أما مراتي، فخرجت من الزواج من غير ما تأخذ مني شيئًا ليس من حقها. رجعت لشقتها. وعاشت من أموالها التي حافظت عليها. وبعد فترة، بدأت تستثمر جزءًا من ورثها في مشروع خاص بها. والمفارقة إن المشروع نجح جدًا. أما أنا، ففضلت فترة طويلة ألوم كل الناس إلا نفسي.
لحد ما فهمت أخيرًا: أنا اللي اخترت الخيانة. وأنا اللي استخدمت أمي. وأنا اللي حولت بيت هادي إلى ساحة ضغط. وأنا اللي خسرت زوجة كانت مستعدة تعيش معايا، بشرط واحد… إني أكون زوجها، مش شخص بيخطط لاستخدامها. أما أمي، فبعد وقت طويل اعترفت لي: “أنا غلطت لما ساعدتك.” سألتها: “ليه عملتي كده؟” قالت: “كنت فاكرة إني بحمي مستقبلك.” رديت: “إنتِ كنتِ بتساعديني أخسره.” ومن يومها، انتهت الحكاية. لا شقة جديدة.
لا جوازة ثانية. ولا ورث زوجتي أصبح ملكي. والأهم إن كل واحد فينا عرف ثمن اختياراته. أما هي، فبدأت حياة جديدة بعيدًا عني، وهي محتفظة بحقوقها وكرامتها ومالها. وأنا اتعلمت متأخر جدًا إن البيت اللي تحاول تهده عشان تبني بيتًا تاني… ممكن تكتشف إنك خسرت الاثنين.