منوعات

ابني اتجوز الجزء التاني

وقفت مرات ابني قدامي لأول مرة من غير ما تنزل عينيها في الأرض. قالت وهي بتبص لي بثبات:
“أنا سكت كتير يا أمي… سكت عشان جوزي مسافر، وسكت عشان كنت معتبرة إنك أمه وليكي احترامك. لكن اللي حصل النهارده خلاني أفهم إن سكوتي هو اللي خلاكي تتمادي.” أنا اتعصبت وقلت لها:
“تتمادي إيه؟! أنا أم جوزك وأنا بحافظ على بيته وفلوسه!” ضحكت ضحكة قصيرة، وطلعت موبايلها من جيبها. وقالت:
“طيب خلينا نشوف جوزي بنفسه هيقول إيه.”

فتحت تسجيل صوتي كانت محتفظة بيه. كان صوت ابني واضح وهو بيقول لها من كام يوم:
“إنتِ مالك ساكتة ليه؟ أنا حاسس إن في حاجة بتحصل ومش بتقوليلي.” وساعتها ردت عليه هي:
“أنا مش عايزة أوقعك في مشاكل مع أمك.” لكن ابني قال لها:
“دي مراتي وإنتِ صاحبة البيت، ولو حد مضايقك قوليلي.” أنا اتجمدت. ما كنتش عارفة إن ابني بدأ يشك في اللي بيحصل. مراته كملت وقالت:
“أنا كنت فاكرة إنك لما تعرف الحقيقة هتدافع عني. بس الحقيقة إنك كنت عارف جزء منها بالفعل.”

وقتها ابني اتصل فيديو. وشه ظهر على الشاشة، وكان واضح إنه سامع كل حاجة. قال:
“ماما… أنا كنت مستني اللحظة دي.” حاولت أبرر:
“مستني إيه يا ابني؟ دي مراتك وأنا كنت بخاف عليك من إنها تصرف فلوسك وتجيب أهلها هنا!” رد عليا:
“أنا اللي كنت ببعت لها فلوس زيادة عشان تشتري اللي تحتاجه، وأنا كنت عارف إنها عمرها ما طلبت منك حاجة. لكن اللي ماكنتش أعرفه إنك أخدتي أوضتها، وبتفتشي تليفونها، وبتمنعيها تخرج لوحدها.”

بنتي حاولت تتدخل وقالت:
“بس يا ماما، إحنا ماعملناش حاجة كبيرة!” ابني سكت لحظة، وبعدها قال:
“لا يا أختي… اللي حصل كبير.” وبعدين قال لمراته:
“أنا آسف.” مراته بصت له وقالت:
“أنا مش عايزة منك غير حاجة واحدة… بيتنا يرجع بيتنا.” في اللحظة دي ابني أعلن إنه راجع مصر خلال يومين. وفعلًا، بعد يومين فتح باب الشقة ودخل. أول حاجة عملها إنه دخل غرفته، وبدأ يرجع كل حاجة لمكانها. وبص لي وقال:
“ماما، أنا بحبك، لكن دي مراتي وده بيتها زي ما هو بيتي. من النهارده مفيش تفتيش في تليفونها، مفيش منع خروج، ومفيش حد ياخد حاجتها من غير إذنها.”

سكت شوية، وبعدها قال:
“وأنا مش هسيبها تعيش هنا بالطريقة دي تاني.” بنتي بدأت تعتذر لمرات أخوها، ورجعت لها كل الهدوم والحاجات اللي كانت أخدتها. أما أنا، ففضلت ساكتة. كنت أول مرة أشوف قد إيه اللي كنت بعتبره “حماية لابني” كان في الحقيقة بيهدم بيته. بعدها بأيام، ابني ومراته نقلوا لشقة صغيرة قريبة من شغله. وقبل ما يمشوا، مرات ابني جت لي. افتكرت إنها جاية تودعني وخلاص. لكنها قالت:
“أنا مش زعلانة منك دلوقتي… بس عايزاكي تعرفي إن البيت اللي فيه خوف مش بيحمي حد.”

الكلمة دي فضلت في دماغي كتير. وبعد ما مشيوا، دخلت أوضتي. بصيت للموبايل اللي كنت باخده منها كل ليلة، ولأول مرة فهمت إن المشكلة ما كانتش في التليفون ولا في الفلوس ولا في أهلها. المشكلة كانت إني كنت فاكرة إن من حقي أتحكم في حياة ابني لمجرد إني أمه. بعد شهور، ابني ومراته رجعوا يزورونا. دخلوا البيت وهما مبسوطين. مراته كانت شايلة هدية صغيرة ليا. قالت:
“دي ليكي.” فتحتها، لقيت برفان.

ضحكت وقلت لها:
“ده غالي.” قالت:
“المرة دي أنا اللي اخترتهولك.” ضحكنا كلنا. ومن يومها اتغيرت علاقتنا. بقيت أستأذن قبل ما أدخل أوضتها، وماعدتش ألمس تليفونها، ولا أسألها كل مرة رايحة فين وجاية منين. وابني، بدل ما يبقى بعيد عني بسبب المشاكل، بقى يزورني أكتر. أما هي، فبقت تدخل البيت وهي مرتاحة، مش خايفة من سؤال أو نظرة أو حساب. وساعتها فهمت درس عمر كامل: البيت بيتبني بالثقة، مش بالمراقبة… واللي بيحب حد بجد، ما يحاولش يمتلك حياته.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى