ضحك حمايا ضحكة باردة وقال: — طارق لو كان عايزكم، كان خدكم من زمان. إنتِ قاعدة هنا عشان دي أصوله، ومحدش هيطلعك منها. بصيت له وأنا مش مصدقة اللي بسمعه. لكن بدل ما أعيط أو أزعق، طلعت موبايلي واتصلت بجوزي. طارق رد بعد ثواني، وأول ما سمع صوتي قال: — مالك يا نادين؟ إيه اللي حصل؟ بصيت للحاج فضل وشيرين وقلت: — اسمع بنفسك. وقربت الموبايل منهم، وقلت: — قول له يا حج أنت اللي بتفصل الكهربا كل يوم؟
سكت الحاج فضل. طارق كان سامع كل حاجة. وفجأة قال بصوت حاد: — بابا… رد عليا. الحاج فضل حاول يبرر: — يا ابني أنا بس كنت بحاول أخليهم يهدوا شوية، مراتك عيالها صوتهم عالي وشيرين مش عارفة تنام. طارق انفجر: — يعني بتفصل الكهربا عن شقتي؟ وبتقطع المية عن مراتي وولادي؟ وإنت عارف إن عندي طفلين صغيرين؟! شيرين حاولت تدخل في الكلام: — يا طارق، إحنا كلنا عايشين في العمارة، ومش معقول عشان مراتك…
قاطعها: — إنتِ بالذات متدخليش. سكتت شيرين فورًا. طارق قال لي: — نادين، اقفلي الموبايل وخدي الولاد وروحي عند أهلك الليلة. قلت له: — حاضر. وبالفعل، أخدت يونس وكرمة وروحت عند أمي. لكن طارق ما اكتفاش بالمكالمة. تاني يوم نزل مصر بشكل مفاجئ. وأول ما وصل، طلب من كهربائي يفحص لوحة العمارة. الكهربائي أكد إن مفتاح شقتنا كان بيتفصل يدويًا، وإن المشكلة مش عطل ولا تخفيف أحمال. طارق وقتها جمع والده وأخته وشيرين وقال لهم:
— أنا كنت فاكر إن مراتي وولادي في أمان وأنا بعيد. طلعت سايبهم عند ناس بتأذيهم. أبوه حاول يدافع عن نفسه: — أنا أبوك يا طارق، وإنت عايز تسيب مراتك تعمل اللي هي عايزاه؟ رد طارق: — مراتي مش محتاجة إذن من حد عشان تعيش في بيتها. وولادي مش وسيلة عشان حضرتك ترضي أختهم. وبعدين بص لشيرين وقال: — وإنتِ لو صوت عيالك أو صوت أي حاجة مضايقك، كان ممكن تتكلمي باحترام. لكن إنك تحرضي أبويا يقطع الكهربا والمية عن أم وطفلين، دي مش مشكلة نوم.
شيرين انهارت واعترفت إنها كانت بتضغط على الحاج فضل من فترة، لأنها كانت شايفة إن نادين أخذت اهتمام طارق كله منها، وكانت عايزة تخليها تسيب البيت. لكن طارق كان حاسم. قال لهم: — خلاص. من النهارده نادين والولاد هيعيشوا بعيد عن أي حد يقدر يؤذيهم. وبعد أيام قليلة، استأجر شقة جديدة لنادين والأطفال، قريبة من أهلها، وجهزها بالكامل. ولما رجع ياخدهم، وقفت نادين قدام بيت العيلة وبصت للمكان اللي قضت فيه ليالي طويلة في الضلمة.
يونس كان ماسك إيدها، وكرمة في حضنها. طارق قرب منها وقال: — أنا آسف إني سيبتك تواجهِي كل ده لوحدك. بصت له وقالت: — أنا مش زعلانة إنك سافرت عشان مستقبلنا. أنا زعلانة إنك وثقت إن كل الناس هتخاف على ولادك زيك. رد: — عندك حق. وده مش هيتكرر. انتقلوا للشقة الجديدة، وأول ليلة فيها، شغلت نادين النور. فضلت واقفة تبص للمبة وهي منورة، وابتسمت. يونس جري في الصالة، وكرمة ضحكت لأول مرة من غير ما تصحى مفزوعة من الحر والظلام.
أما طارق، فقرر إنه ما يرجعش للغربة بنفس الطريقة. نظم شغله بحيث يقضي وقتًا أطول مع أسرته، وبقى هو اللي يتابع كل مصاريف البيت واحتياجات أولاده. وبعد فترة، حتى الحاج فضل ندم على اللي عمله، وطلب من طارق ونادين يسامحوه. نادين قبلت اعتذاره، لكن حطت حدود واضحة. قالت له: — أنا مسامحاك عشان أنت جد أولادي، بس عمري ما هسمح لحد تاني يتحكم في النور أو المية أو حياتنا. هز رأسه وقال:
— عندك حق يا بنتي. ومن يومها، انتهت الحكاية. لا كهربا اتقطعت، ولا مية اتمنعت، ولا طفل نام في الضلمة خوفًا. ونادين فهمت إن أحيانًا الحل مش إنك تستحملي الأذى عشان تحافظي على بيت العيلة… الحل إنك تحطي حدود تحمي بيتك وولادك، حتى لو الحدود دي أخدتك لمكان جديد
