فضلت باصة للورقة وهي مش مصدقة اللي قريته. إيدي كانت بتترعش، ورجعت أمسك الجواب تاني، وقريت السطور من أولها. وكان ابني كاتب: “ماما، لو أنا مرجعتش من المأمورية، والجواب ده وصل لسارة، يبقى لازم تعرف الحقيقة كلها.” “أنا عارف إنك بتحبيها وبتعتبريها بنتك، وعارف إن اللي هقوله ممكن يوجعك، بس أوعديني متظلحيش عليها قبل ما تعرفي الحقيقة.” وقفت لحظة. نفسي اتقطع. وكملت. “سارة عارفة إني كنت مقدم على مهمة صعبة، وعارفة إني ممكن ما أرجعش. وعشان كده اتفقنا على حاجة محدش يعرفها غيرنا.”
دموعي نزلت على الورقة. وقريت آخر السطور: “لو ربنا كتبلي إني أرجع، هنكمل حياتنا ونقولك كل حاجة. ولو مكتوبلي أموت، وسارة اضطرت تتجوز بعد انتهاء عدتها، متزعليش منها… لأنها هتكون بتنفذ وصيتي أنا.” وقعت مني الورقة. وقعدت على الأرض. — وصيتك إنت؟! لقيت نفسي بعيط وأقول: — يعني إنت كنت عارف؟! رجعت مسكت الجواب وكملت. “سارة حامل يا ماما.” الدنيا وقفت. حسيت إني مش فاهمة. رجعت للسطر تاني. “هي حامل في طفلنا، وأنا طلبت منها تخبي الخبر مؤقتًا. مش علشان أخجل من ابني، بالعكس… ده أغلى حاجة في حياتي. لكن كان عندي سبب.”
وفي آخر الجواب كان كاتب: “لو مت، متخليش حد يضغط عليها تعيش أرملة طول عمرها. هي صغيرة ولسه قدامها عمر. أنا عايزها تعيش، وعايز ابني يكبر في بيت مستقر.” لكن المفاجأة الأكبر كانت في آخر سطر: “والراجل اللي هتتجوزه مش غريب يا ماما… ده صاحبي وأخويا اللي هسيب الأمانة معاه. هو الوحيد اللي عارف كل حاجة، وأنا واثق إنه هيحافظ عليها وعلى ابني أكتر من أي حد.” وقتها فهمت ليه صاحبه كان مصر يوصل الجواب بنفسه.
وفهمت ليه أم سارة كان وشها أصفر وهي بتقولي إنها اتجوزت. أنا كنت فاكرة إن سارة نسيت ابني. لكن الحقيقة كانت عكس كل اللي تخيلته. سافرت المنصورة تاني اليوم اللي بعده. روحت بيت سارة، ولما شافتني، جريت عليا وهي بتعيط. ح.ضنتها وقلت: — ليه مخبيين عليا كل ده يا بنتي؟ انهارت في ح.ضني. — خالد طلب مني يا أمي. وبعد لحظات، دخل زوجها الجديد. عرفته فورًا. كان صاحب ابني. الراجل اللي سلّمني الجواب.
بصيت له وقلت: — إنت كنت عارف؟ هز راسه. — خالد وصاني عليها وعلى ابنه قبل ما يخرج للمأمورية. وبعدين قال: — والله يا أمي، أنا مكنتش عايز أتجوزها علشان أعوض مكان خالد… محدش يقدر يعوضه. أنا اتجوزتها علشان أنفذ وصيته، وأربي ابنه زي ما كان نفسه. سارة كانت واقفة بتبكي. وقالت: — خالد كان عايزك تعرفي الحقيقة بعد ما أتجوز، علشان محدش يحاول يضغط عليا أو ياخد مني ابني.
قربت منها وحطيت إيدي على بطنها. وقلت وأنا بعيط: — ده مش بس ابنك يا بنتي… ده آخر حتة من ابني. وبعد شهور، ولدت سارة ولد. وسمّته خالد. وأول ما شيلته بين إيديا، حسيت إن ابني رجعلي للحظة. كبر خالد وسط حبنا كلنا، وكان زوج سارة دايمًا يقول له: — أبوك بطل يا ابني… وأبوك هو اللي طلب مني أحافظ عليك. وبعد سنين، فضل الجواب محفوظ عندي في صندوق ابني، جنب صورته وبدلته العسكرية.
وكل ما كنت أفتحه، مكنتش بعيط زي الأول. كنت بابتسم وأقول: “نفذت وصيتك يا ابني… وربيتلك ابنك، وحافظت على مراته زي ما كنت عايز.” وهكذا السر اللي كنت فاكرة إنه هيكسر قلبي، طلع آخر أمانة تركها ابني في الدنيا. وانتهت الحكاية، لكن حب خالد لمراته وابنه فضل عايش فيهم للأبد.
