منوعات

بعد و.فاه جوزي الجزء التاني

حازم وقف مكانه كأنه مش فاهم اللي شايفه. بص للحقيبة، وبعدين للأوراق، وبعدين لأمه. – إيه ده يا أمي؟ هانم رفعت عينيها له وقالت بهدوء: – اقعد يا حازم. – بس إنتِ كنتِ هتتجوزي! – كنت. – يعني رفضتيه؟ – أيوه. اتنفس حازم براحة، وقرب منها بسرعة. – الحمد لله! يعني خلاص الموضوع انتهى؟ هانم هزت راسها. – لأ… الموضوع بدأ. حازم اتوتر. – بدأ إزاي؟ هانم حطت قدامه ملف كبير.

– ده كشف بكل المصاريف اللي دفعتها عليك من يوم وفاة أبوك لحد النهارده. فتح الملف باستغراب. كان فيه مصاريف المدرسة، الدروس، الملابس، العلاج، المصاريف اليومية، وحتى إيصالات قديمة كانت محتفظة بيها. حازم فضل يقلب في الورق، وكل صفحة كانت بتخليه يسكت أكتر. قال بصوت واطي: – إنتِ كنتِ بتصرفي كل ده لوحدك؟ – أيوه. – طب ليه؟ ابتسمت ابتسامة حزينة. – علشان كنت شايفة إنك ابني، مش حمل عليا.

سكت. هانم كملت: – أنا مش جايبة الورق ده علشان أقولك “أنا صرفت عليك كام”. الأم مش بتحاسب ابنها على أكله وشربه وتعبها معاه. وبعدين بصت في عينه مباشرة: – أنا جايباه علشان أفهمك حاجة واحدة… أنت كنت شايفني إزاي؟ حازم نزل عينه في الأرض. – غلطت. – غلطت في إيه؟ – في كلامي. – لأ يا حازم… أنت غلطت في مفهومك عن الرجولة. الكلمة وقعت عليه. هانم قامت من مكانها وقالت:

– الراجل مش اللي يخاف من كلام أصحابه عن أمه. – والراجل مش اللي يقول لأمه “عجزتي”. – والراجل مش اللي يحط أمه قدام اختيار: يا أنا يا حياتك. دموع حازم بدأت تنزل. – أنا آسف يا أمي. هانم ردت: – أنا عارفة إنك آسف. – والله ما كنت أقصد أوجعك. – بس وجعتني. سكت حازم. وبعد لحظات قال: – كنت خايف. – من إيه؟ – كنت خايف إنك تتجوزي وتسيبيني.

هانم قربت منه وقالت: – طب ما كنت تقولها كده؟ – كنت هتجوزك بالعريس؟ – لا. – أمال؟ – كنت هفهمك إن وجود راجل في حياتي مش معناه إن وجودك انتهى. حازم مسح دموعه. – وأنا عملت العكس. هانم هزت راسها. – أيوه. وبعدين قالت: – عارف العريس اللي رفضته؟ حازم سكت. – أنا رفضته مؤقتًا. رفع عينه بسرعة. – يعني؟ – يعني أنا قلت له إني محتاجة وقت. مش هضحي بحياتي علشان خوفك، ومش هتجوز برضه وأنا عارفة إن ابني محتاج يفهم حاجات كتير الأول.

حازم قرب منها وقال: – وإيه اللي عايزاني أعمله؟ هانم ابتسمت لأول مرة. – عايزاك تتعلم تعتمد على نفسك. – يعني؟ – من النهارده، هنقسم مسؤوليات البيت. – وأنا أعمل إيه؟ – هتساعد في البيت، هتتعلم تدير مصاريفك، وهتبقى مسؤول عن جزء من احتياجاتك، وهتفهم إن أمك مش مجرد شخص موجود علشان يخدمك. حازم هز راسه. – موافق. هانم قالت: – والأهم من كل ده… سكتت لحظة. – عمرك ما تستخدم كلمة “ابنك مات” معايا تاني.

وش حازم انهار. قرب منها وح.ضنها. – حقك عليا يا أمي. هانم ح.ضنته، وقالت: – وأنا مسامحاك. مر شهرين. حازم اتغير بشكل واضح. بقى يساعد أمه، يهتم بدراسته، وينزل يشتري احتياجات البيت، وبدأ يتعامل معاها كإنسانة ليها أحلام وحياة، مش مجرد أم مسؤولة عنه. وفي يوم، رجع من المدرسة ولقى أمه قاعدة في الصالة. قعد جنبها وقال: – ماما؟ – نعم؟ – العريس كلّمك؟ هانم بصت له باستغراب. – ليه؟

ابتسم وقال: – علشان لو راجل محترم، أنا نفسي أقابله. هانم ضحكت. – بقيت موافق؟ – أنا مش صاحب القرار يا ماما. وبعدين كمل: – إنتِ صاحبة القرار في حياتك… وأنا ابنيتك مش مالكها. هانم دمعت عينيها. – أخيرًا فهمت يعني إيه راجل. وبعد فترة، قابل حازم الرجل بنفسه. اتكلم معاه بهدوء، وسأله عن شغله وحياته ونظرته للجواز. ولما خرج الرجل، حازم بص لأمه وقال: – أنا مش هقولك اتجوزيه ولا لأ.

ابتسم. – بس لو إنتِ مرتاحة معاه، أنا هفرحلك. وبالفعل، بعد فترة اتجوزت هانم. لكن المرة دي، حازم هو اللي كان واقف جنبها يوم كتب كتابها، وهو أول واحد قال لها: – مبروك يا أمي… السبع سنين اللي فاتوا كانوا عشاني، واللي جايين دول من حقك تعيشيهم علشان نفسك. هانم ح.ضنته والدموع في عينيها. وقالت: – كده أنا اطمنت عليك. أما حازم، ففضل فاكر الجملة دي طول عمره: الرجولة مش إنك تمنع أمك من الحياة… الرجولة إنك تطمن عليها وهي بتعيشها.

ومن يومها، بقى حازم سند لأمه فعلًا، مش مجرد ابن عايش في بيتها. وهانم لأول مرة من سبع سنين، عاشت لنفسها من غير إحساس بالذنب. وانتهت الحكاية من غير ما تخسر ابنها… ومن غير ما تخسر حقها في الحياة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى