خرجت مريم من قدام غرفة العريس وهي ماشية بهدوء شديد. لكن جواها كان في ألف سؤال. إزاي؟ إزاي محمود عايش؟ وإزاي أمه كانت عارفة؟ وإيه اللي حصل يوم الحادثة؟ وليه دفنوا شخص في تابوت مقفول، وخلّوها تعيش 3 شهور كاملة وهي فاكرة إن خطيبها مات؟ رجعت لمكان شغلها وكملت ترتيب الورد. كل ما كانت تشوف عفاف، كانت تتصرف كأنها ما شافتش حاجة. وعفاف كانت متوترة جدًا. كانت كل شوية تبص ناحية مريم من بعيد.
أما محمود، ففضل داخل غرفة العريس. بعد حوالي ساعة، بدأ الفرح. مريم كانت بتتحرك بين الترابيزات بشكل طبيعي، لكن عقلها كان شغال. وبعد ما خلصت جزء كبير من شغلها، دخلت مكتب الإدارة. طلبت من مدير القاعة إنها تشوف تسجيلات كاميرات المدخل. في البداية رفض. لكن لما شرحت له إن في مشكلة تخص أحد العاملين، وافق يساعدها. مريم رجعت لورا في التسجيلات لليوم اللي المفروض إن محمود مات فيه. وفجأة شافت عربية محمود.
العربية خرجت من القاهرة، وبعدها اختفت عن نطاق الكاميرات. لكن المفاجأة كانت إن بعد ساعات قليلة… ظهرت نفس العربية في مكان مختلف تمامًا. ومحمود نزل منها بنفسه. مريم حطت إيدها على بوقها. يعني الحادثة ما كانتش بالشكل اللي حكوه لها. خرجت من المكتب واتصلت بصديقة قديمة ليها شغالة في المجال القانوني. حكت لها كل اللي حصل. قالت لها: — متواجهيش محمود دلوقتي. الأول لازم تعرفي الحقيقة كاملة. مريم وافقت. وفي آخر الفرح، عفاف خرجت من القاعة لوحدها.
مريم مشيت وراها. ولما دخلت عفاف ممر جانبي، مريم وقفت قدامها. عفاف اتجمدت. مريم قالت بهدوء: — أنا شفت محمود. عفاف وشها اصفر. — شفتِ مين؟ — ابنك. سكتت عفاف. مريم قربت خطوة وقالت: — أنا شفته بعيني. حي. بيتحرك. بيتكلم. وبيجهز نفسه لفرح. بدأت عفاف تعيط. — مريم… — متقوليش اسمي. قولي الحقيقة. عفاف قعدت على الكرسي وهي منهارة. وبعد لحظات قالت: — محمود كان عليه ديون كبيرة. مريم بصت لها باستغراب.
— ديون؟ — أيوه. عفاف كملت: — قبل الحادثة بفترة، دخل في مشروع مع ناس غلط. المشروع فشل، واتراكمت عليه ديون. ولما حاول يخرج منها، اتخانق مع ناس كانوا بيطالبوه بفلوسهم. — وعمل إيه؟ — هرب. مريم قالت: — وهرب من مين؟ عفاف ردت: — من كل حاجة. وبعدين قالت الحقيقة الأصعب. محمود هو اللي خطط لاختفائه. الحادثة اللي حصلت كانت حادثة حقيقية، لكن محمود لم يكن موجودًا داخل السيارة وقتها. واستغلوا الحادث علشان يخلوا الناس يعتقدوا إنه مات.
أما الشخص الموجود في السيارة، فقد تم التعرف عليه بصعوبة بسبب شدة الحادث، ولذلك تم الدفن في تابوت مغلق. مريم كانت ساكتة. لكن السؤال اللي كان بيوجعها أكتر من كل ده: — وأنا؟ عفاف نزلت عينيها. — محمود قال إنك لو عرفتي الحقيقة هتفضحيه، وإنك هتفضلي مرتبطة بيه وتستنيه. مريم ضحكت ضحكة قصيرة مليانة وجع. — يعني بدل ما يقول لي الحقيقة… دفنني أنا كمان وأنا عايشة؟ عفاف انفجرت في العياط.
— أنا كنت خايفة عليه. مريم ردت: — وإنتِ خفتي على ابنك، ومخفتیش على البنت اللي كانت واقفة جنبك في جنازته وبتعيط معاك؟ ما لقتش عفاف رد. لكن المفاجأة الأكبر كانت إن محمود كان ناوي بعد ما يختفي فترة، يرجع باسم جديد ويبدأ حياة مختلفة بعيدًا عن ديونه ومشاكله. والفرح اللي مريم شافته لم يكن فرحه هو. كان فرح أخوه يوسف. ومحمود كان موجودًا في القاعة بشكل سري، لأنه كان يريد أن يودع أخاه قبل سفره خارج البلد.
وهنا مريم فهمت سبب هروب عفاف منها. كانت خايفة إنها تكتشف إن ابنها حي. لكن محمود نفسه لم يكن يتوقع أبدًا أن مريم ستراه. وفي اليوم التالي، مريم واجهته. كان أول ما شافها سكت تمامًا. قالت: — أنا مش جاية أرجعلك. محمود حاول يتكلم: — مريم، اسمعيني… — لأ. المرة دي إنت اللي هتسمع. حكت له عن الأيام اللي قضتها وهي بتبكي عليه. عن فستان الفرح اللي احتفظت بيه. عن بوكيه الورد اللي كانت بتخاف تبص له.
عن كل مرة حد كان يقول لها “ربنا يعوضك”، وهي كانت بتحاول تصدق إن ربنا هيديها القوة تكمل. وبعدين قالت: — إنت ما خدتش قرار تختفي بس. — إنت خدت قرار تخليني أعيش موتك. محمود نزل رأسه. — أنا كنت خايف. — والخوف مش مبرر إنك تدمر حياة إنسانة بتحبك. سكت محمود طويلًا. وبعدين قال: — أنا عارف إني ظلمتك. مريم ردت: — أنت عرفت قيمتي بعد ما خسرتني. ثم تركته ومشت.
بعدها، محمود قرر يواجه مشاكله بنفسه بدل ما يهرب منها. بدأ يسدد ديونه بالتدريج، وقطع علاقته بالأشخاص اللي ورطوه في المشروع. أما مريم، فرفضت ترجع له رغم كل اعتذاراته. لكنها لم تحمل كراهية لأمه. بعد فترة، زارتها عفاف وقالت: — أنا مش طالبة منك ترجعي لمحمود. أنا بس طالبة منك تسامحيني. مريم قالت: — سامحتك علشان قلبي يرتاح… لكن اللي حصل مش هقدر أنساه. عفاف هزت رأسها. — وأنا مش طالبة منك تنسي.
مرت شهور. مريم رجعت تحب شغلها من جديد. وبقت كل ما ترتب بوكيه عروسة، تفتكر البنت اللي كانتها يوم اختارت فستانها لمحمود. لكن المرة دي كانت بتبتسم. لأنها فهمت إن موت شخص بتحبيه ممكن يوجعك… لكن أحيانًا اكتشاف حقيقة الشخص وهو حي، بيكون أقسى من موته. وفي آخر مرة شافت فيها محمود، قال لها: — لو رجع بيا الزمن، كنت قلت لك الحقيقة من أول يوم. ابتسمت مريم وقالت: — وأنا لو رجع بيا الزمن… كنت هسمعك، بس كنت هختار نفسي برضه.
ومشيت. ومكملتش حياتها وهي أرملة رجل حي. ولا فضلت معلقة في الماضي. مريم اختارت تبدأ من جديد. أما محمود، ففضل يتحمل نتيجة قراراته ويصلح حياته بنفسه. وعفاف فهمت أخيرًا إن خوفها على ابنها ماكانش مبرر إنها تظلم بنت اعتبرتها يومًا مثل ابنتها. وبكده انتهت الحكاية… مش برجوع مريم لمحمود، لكن برجوع مريم لنفسها، ولحياتها، وللقلب اللي كان فاكر إنه مات معاه.
