دخل عادل غرفة العمليات وهو فاكر إنه عمل الصح. كان مقتنع إن ابنه لازم يضمن مستقبله، وإن شهيرة ملهاش حد يحميها غيره. لكن قبل ما باب العمليات يتقفل، آخر حاجة شافها كانت وش نسمة وهي بتبصله بوجع. ولأول مرة، بدأ السؤال يدخل دماغه: «هي أنا ظلمتها؟» حاول يطرد الفكرة. وقال لنفسه: «أنا عندي ابن لازم أحميه…» لكن الحقيقة كانت أقسى. هو مكانش بيحمي ابنه بس. هو كان بيعاقب نسمة وبناته على حاجة هما معملوهاش.
بعد ساعات طويلة، خرج الدكتور وقال لأهله: — «العملية عدت على خير، بس محتاج متابعة وعلاج وفترة نقاهة.» شهيرة وقعت من شدة الارتياح، وأهله حمدوا ربنا. أما نسمة، فكانت واقفة بعيد. ولما شافته فتح عينه، قربت منه. عادل بص لها، وحاول يتكلم. — «نسمة…» قالتها بهدوء: — «حمد لله على سلامتك.» سكت لحظة، وبعدين قال: — «أنا آسف.» نسمة بصت له في عينه. — «آسف على إيه؟» — «على كل حاجة… على إني ظلمتك، وعلى البنات، وعلى إني خليت الفلوس تعميني.»
نسمة دموعها نزلت، لكنها قالت: — «أنا مش زعلانة إنك اتجوزت. اللي كسرني إنك نسيت إن بناتك دول ولادك برضه.» الكلمة دخلت قلبه. وبعد أيام، طلب من المحامي يراجع كل الأوراق اللي كتبها قبل العملية. اكتشف إن بعض الممتلكات كانت فعلًا اتنقلت، لكن لسه فيه إجراءات قانونية تقدر تتعدل. فقال لمحاميه: — «أنا عايز أعمل حاجة عادلة… من غير ما أظلم حد.» قسم ممتلكاته بطريقة تضمن حق كل أولاده وفق القانون، وخصص لشهيرة وابنه مصدر أمان مستقل، وفي نفس الوقت ضمن لبناته حقوقهن.
لكن شهيرة كانت أول واحدة تعترض. قالت له: — «أنا مش عايزة حاجة متاخدة من حق نسمة وبناتها.» عادل بص لها باستغراب. — «إنتِ بتقولي إيه؟» ردت: — «أنا كنت فاكرة إنك بتحمينا… لكن دلوقتي فهمت إن الحماية مش معناها تظلم ناس تانية عشاننا.» وبعدها قالت له: — «ابنك محتاج أبوه، مش محتاج يعيش على وجع أخواته.» عادل سكت طويلًا. لأول مرة، فهم إن الشهيرة نفسها كانت أرحم منه في اللحظة دي.
ومرت شهور العلاج. عادل بدأ يرجع لحياته بالتدريج، لكن علاقته بنسمة ما رجعتش زي الأول. نسمة سامحته من جواها، لكنها ما نسيتش. فضلت محافظة على كرامتها، واهتمت ببناتها، ورفضت تاخد أي حاجة زيادة عن حقها. وفي يوم، عادل جمع بناته حواليه وقال لهم: — «أنا غلطت في حقكم… والغلط ده ملوش علاقة إنكم بنات. أنتم أولادي، وعمري ما هسمح لحد يحسسكم إنكم أقل من أي حد.» إحدى بناته حضنته، والتانية عيطت.
ونسمة كانت واقفة بعيد، ودموعها بتنزل. عادل قرب منها وقال: — «عارف إن كلمة آسف مش هتمسح اللي حصل… بس أنا هقضي باقي عمري أصلح اللي أقدر عليه.» نسمة ردت بهدوء: — «أنا مش عايزة منك غير حاجة واحدة… متفرقش بين أولادك تاني.» هز راسه. — «وعد.» وبالفعل، عاش عادل بعدها وهو بيتعامل مع أولاده كلهم بالعدل، وشهيرة نفسها بقت على علاقة محترمة بنسمة، والطفل كبر وهو عارف إن له أخوات يحبهم، مش منافسات على الميراث.
أما عادل، فكل ما كان يفتكر جملة نسمة: «حسبي الله ونعم الوكيل فيك… أنا مش مسمحاك» كان يحمد ربنا إنه أخد فرصة تانية يصلح غلطه قبل فوات الأوان. وفهم أخيرًا إن الولد مش أغلى من البنت، وإن الزوجة اللي وقفت جنبك في بداية حياتك ما ينفعش ترد جميلها بالظلم. والأهم… إن المال ممكن يتقسم، لكن الظلم لو دخل بين الأب وأولاده، ممكن يفضل جرح عمر كامل