شريف وقف مكانه ثواني مش قادر ينطق. بص لسامح، وبعدين بصلي، وقال:
—إنت لسه هنا ليه يا سامح؟ سامح رد بهدوء:
—نسيت حاجة ورجعت أخدها. شريف بصلي:
—وإنتِ واقفة في المطبخ بتعملي إيه؟ ضحكت ضحكة قصيرة من كتر ما كنت مصدومة. —أنا؟ ولا أنت اللي المفروض تجاوب؟ شريف اتوتر:
—تجاوب على إيه؟ طلعت موبايلي من جيبي وفتحته على الصورة اللي سامح كان وريهالي. وحطيته قدامه. —على دي. وشه اتغير. قلت:
—إيه خطة التبديل يا شريف؟
سكت. —مين الست اللي هتدخل بيتي وتاخد مكاني؟ فضل ساكت لدرجة إن سامح قال:
—أنا هسيبكم تتكلموا. وقبل ما يخرج، بص لشريف وقال:
—بس نصيحة يا شريف… متحاولش تقول إنها مفبركة. الملف موجود عندي، وأنا كنت محتفظ بيه قبل ما تتمسح الرسائل. شريف اتعصب:
—إنت مالك أصلًا؟! سامح رد:
—مالي إنك كنت بتتكلم عن زميلة ليك قدامنا وكأنها صفقة، وبتخطط لطلاق مراتك وإنت لسه عازمنا عندها وبتضحك عليها. وخرج. فضلت أنا وشريف لوحدنا.
قلت:
—اتكلم. قعد على الكرسي وحط إيده على دماغه. —الموضوع مش زي ما إنتِ فاهمة. —أمال زي إيه؟ —أنا كنت ناوي أطلقك. سكت لحظة، وكأنه مستني أشوف رد فعلي. قلت:
—وده لوحده كفاية. بس مين اللي كانت هتاخد مكاني؟ نزل عينه للأرض. —داليا. حسيت إن الاسم مألوف. —داليا مين؟ —داليا اللي في الشركة. ضحكت بمرارة:
—يعني طول الفترة اللي فاتت وأنا بطبخ وأنضف وأدفع نص مصاريف البيت وأربي الولاد، إنت كنت بتجهز بديلة ليا؟
قال بسرعة:
—أنا وداليا مفيش بينا حاجة! —أمال ليه مكتوب إنها هتدخل البيت؟ سكت. وبعدين قال الحقيقة. —أنا كنت متخيل إن حياتي هتبقى أسهل لو اتجوزتها. قلت:
—وإنت عرفت منين إنها هتقبل؟ هز راسه:
—كانت بتتكلم معايا عن الجواز. بصيت له باستغراب. —بس هي كانت عارفة إنك متجوز؟ —أيوه. —وعارفة إن عندك ولاد؟ —أيوه. سكت شوية، وبعدين قال:
—أنا كنت مرتب كل حاجة. كنت هطلقك، وأخلي الأولاد يقعدوا عند أمي يومين في الأسبوع، وأجيب أكل جاهز، وأجيب حد ينضف، وأحول أوضة مكتبك لأوضة نوم.
بصيت له وقلت: —والشغل؟ رفع عينه:
—شغلك كان مضايقني. هنا فهمت. هو مكنش شايفني زوجة تعبت معاه. كان شايفني مجموعة خدمات لازم تتوزع على ناس تانية بعد ما يغيرني. قلت:
—عارف أكتر حاجة مضحكة؟ —إيه؟ —إنك قدام أصحابك كنت بتقول إني ست عارفة مقامها. سكت. —وأنت أصلًا كنت بتحكي لهم كل تفاصيل حياتي، مرتبي، مواعيد نومي، شغلي، مسؤولياتي… كأني ملف موظفة عندك. شريف قال:
—أنا غلطت. —لأ. إنت مش غلطت في كلمة. إنت خططت لحياة كاملة من ورايا.
وفي اللحظة دي، رن موبايله. بص للشاشة. كان اسم داليا. قال:
—مش هرد. قلت:
—رد. —هدى… —رد يا شريف. فتح المكالمة وحطها على السماعة. صوت داليا جه واضح:
—شريف، إنت مختفي ليه؟ إحنا كنا متفقين نبدأ إجراءات الشقة بعد ما تخلص الموضوع مع مراتك. أنا بصيت له. هو قفل المكالمة فورًا. وقلت:
—كفاية. تاني يوم، طلبت من شريف نقعد مع أهلنا. وحكيت كل حاجة. أمه كانت مصدومة، وأمي كانت ساكتة من شدة القهر.
لكن المفاجأة الأكبر إن حماتي نفسها قالت: —أنا كنت عارفة إنه بيفكر في الطلاق، بس مكنتش أعرف إنه مرتب حياتك بعده بالشكل ده. وبعدين بصت لابنها: —إنت كنت فاكر إن هدى خدامة عندك؟ شريف مكنش قادر يرد. أنا طلبت الانفصال. مش عشان داليا. ولا عشان العزومة. لكن عشان اكتشفت إن الإنسان اللي عايشة معاه بقالها سنين، كان شايف تعبي حق مكتسب، وكرامتي حاجة قابلة للتفاوض. وبالفعل، تم الطلاق بهدوء ومن غير مشاكل.
اتفقنا على رعاية الأولاد ونفقاتهم بشكل واضح، وكل واحد بدأ حياته من جديد. بعد الطلاق بشهرين، شريف عرف إن داليا رفضت الجواز منه. ولما سألها ليه، قالت له: —أنا شفت إزاي عملت في مراتك، ومش عايزة أكون مكانها يوم من الأيام. وقتها بس فهم شريف إن اللي خسره مكنش مجرد زوجة. هو خسر إنسانة كانت شايلة معاه البيت، والشغل، والأولاد، والمصاريف، وفي عز كل ده كانت بتحاول تحافظ على صورته قدام الناس.
أما أنا؟ رجعت أركز في شغلي، وكبرت مشروعي من البيت، واستأجرت مكتب صغير بدل الأوضة اللي كان ناوي ياخدها مني. وبعد سنة، في يوم جمعة، عملت غدا لأولادي وأمي. ابني سألني: —ماما، بابا كان بيقولك إنك مش مهمة؟ ابتسمت وقلت: —كان فاكر كده. سألني:
—وبعدين عرف؟ ضحكت: —عرف متأخر. وبصيت لأولادي وقلت: —بس أهم حاجة إنكم تعرفوا إن قيمة الإنسان مش بتتحدد بكلام حد عنه. ومن يومها، كل ما أفتكر الجملة اللي شريف قالها قدام أصحابه:
“هدى عارفة مكانها كويس.” ببتسم. لأني فعلًا عرفت مكاني… بس مش المكان اللي هو كان محددهولي. عرفت إن مكاني في حياة الناس اللي تقدرني، مش في بيت حد شايفني مجرد خدمة ممكن يستبدلها.