منوعات

رجعت البيت الجزء التاني

خرجت فريدة من بيت أمها وهي ماسكة شنطتها. ولا حد حاول يمنعها. ولا حد حتى سألها هتروح فين. نزلت السلم ببطء، ولما خرجت من باب البيت وقفت لحظة. حطت إيدها في جيبها. وأخرجت ورقة اللوتاري. بصت للرقم مرة تانية. المية مليون جنيه. ابتسمت وقالت لنفسها: “الحمد لله إن أبويا علمني ماحطش أمان حياتي في إيد حد.” لكنها ما كانتش تعرف إن المفاجأة الحقيقية لسه ما بدأتش. في اليوم التالي، راحت فريدة للبنك ومعاها الورقة والمستندات المطلوبة.

وبعد مراجعة البيانات، تأكدت رسميًا إنها صاحبة الجائزة. لكنها طلبت من الموظف يحافظ على سرية معلوماتها، وما يعرفش أي حد من عيلتها. في نفس الوقت، كانت أمها قاعدة مع أحمد وكريم. والاتنين بيتكلموا عن نصيبهم من تعويض البيت. قال أحمد: “مليون جنيه هتخليني أبدأ مشروعي.” وكريم قال: “وأنا هحطهم في الشقة والعربية.” أما راجح فكان قاعد ساكت. كان فاكر إن فريدة خرجت من حياته وهي مفلسة تقريبًا. وفي اليوم اللي اتفقوا عليه، راحت فريدة للمأذون.

راجح حضر، ومعاه أمه. وبعد إتمام الإجراءات الرسمية، أصبحت العلاقة بينهما منتهية رسميًا. راجح خرج من المكان وهو مبتسم. وقال لأمه: “خلصنا منها.” لكن فريدة لم ترد. كانت ماسكة ملف صغير. بعدها بأيام، بدأت إجراءات تقسيم الحقوق المالية، وراجح اكتشف إن الموضوع مش بالسهولة اللي كان فاكره. الشقة المسجلة باسمه ظلت ملكًا له، لكن المبلغ اللي كان بيحاول يحصل على نصه منه لم يكن “تحويشة مشتركة” كما ادعى؛ فريدة كان معها ما يثبت إن المبلغ مدخراتها الشخصية.

أما ابنهم، فكان الموضوع مختلفًا تمامًا. فريدة لم تكن مستعدة تتنازل عن حقها كأم. وراجح كان بيقول لكل اللي حواليه: “الولد هيكون معايا.” لكن لما بدأ الموضوع يتراجع بشكل رسمي، ظهر إن كلامه عن إن أمه هتربي الطفل وإن فريدة “مش هتقدر تصرف عليه” ماكانش دليلًا على قدرته أو أحقيته في حرمانها منه. فريدة قالت: “أنا مش بطلب آخد ابني من أبوه… أنا بطلب إن ابني يفضل بعيد عن أي حد شايف إن الفلوس أهم من راحته.”

وبالفعل، تم تنظيم وضع الطفل بما يحفظ حقوق الأب والأم، مع بقاء فريدة مسؤولة عن رعايته ومشاركته حياته بشكل طبيعي وفقًا لما تقرره الجهات المختصة. لكن المفاجأة الأكبر حصلت بعد أسبوع. أم فريدة اتصلت بيها. قالت: “فريدة، تعالي البيت. في حاجة مهمة.” راحت فريدة. دخلت الصالة، لقت أمها وأحمد وكريم وراجح قاعدين. أمها قالت: “إحنا عايزين نصلح اللي حصل.” فريدة ابتسمت. “إيه اللي حصل؟” أحمد قال: “إحنا كنا متعصبين شوية.”

كريم كمل: “وفي الآخر إحنا إخوات.” أما راجح فقال: “وأنا كمان ممكن نراجع موضوع الطلاق.” فريدة بصت لهم واحد واحد. وقالت: “ليه؟” سكتوا. قالت: “من أسبوع كنتوا شايفين إني فقيرة، وإن شهادتي ووظيفتي ملهمش قيمة، وإن أنا عبء على مستقبلكم.” الأم ردت: “إحنا كنا بنقول الكلام ده وإحنا متعصبين.” فريدة هزت رأسها. “بس أنا كنت عايزة أعرف حاجة واحدة.” بصت لراجح. “لو كنت رجعت البيت ومعايا نفس المرتب القديم… كنت هتغير رأيك؟”

راجح سكت. وده كان كفاية. خرجت فريدة من البيت. لكن المرة دي، ما خرجتش مكسورة. خرجت وهي عارفة إنها خلاص مش محتاجة تثبت قيمتها لحد. بعد فترة قصيرة، استلمت فريدة جزءًا كبيرًا من قيمة الجائزة بعد استكمال الإجراءات والضرائب. وكان أول شيء عملته إنها سددت كل احتياجات ابنها الأساسية، واشترت لنفسها شقة صغيرة باسمها، وحطت جزءًا كبيرًا من المال في استثمارات آمنة بدل ما تصرفه بعشوائية. وبعدين راحت لأخوها أحمد.

حطت قدامه ورقة. قال: “إيه دي؟” قالت: “دي حسابات تعويض بيت أبويا.” أحمد اتوتر. “يعني إيه؟” ردت: “أنا ما أخدتش نصيبك، ولا هطلب منك جنيه.” وبصت لأمها وقالت: “أنا مش هعمل فيكم اللي عملتوه فيا.” الأم دمعت عينيها. “فريدة…” قاطعتها: “أنا مش جاية أنتقم.” سكتت لحظة. “بس كمان مش هرجع أكون البنت اللي بتقبل الإهانة عشان تحافظ على شكل العيلة.” وبعدها حصلت حاجة ماحدش توقعها. فريدة خصصت جزءًا من أموالها لتأمين مستقبل ابنها، وجزءًا آخر بدأت به مشروعًا كانت بتحلم به من سنين.

ومع الوقت، المشروع نجح. أما راجح، فحاول أكثر من مرة يرجع لها. وفي آخر مرة قال: “أنا اتغيرت.” فريدة ردت: “يمكن تكون اتغيرت فعلًا… بس أنا كمان اتغيرت.” “يعني مفيش فرصة؟” “الفرصة انتهت يوم ما بصيت لمرتبِي وقررت إن قيمتي أقل منك.” ورفضت العودة إليه. أما أمها، فبعد فترة بدأت تعترف لها بالحقيقة. قالت: “أنا طول عمري كنت بخاف على إخواتك لأنهم رجالة، ونسيت إنك بنتي برضه.” فريدة سكتت. ثم قالت:

“أنا مسامحاكي يا أمي.” الأم بكت. “بس المسامحة مش معناها إن كل حاجة ترجع زي الأول.” هزت أمها رأسها. وكانت دي أول مرة تفهم إن فريدة لم تكن بتعاقبها… كانت فقط بتحط حدودًا جديدة. وفي النهاية، بقت فريدة عايشة في بيتها هي وابنها، مستقلة ماديًا، وبتربي ابنها بعيد عن فكرة إن قيمة الإنسان تتحدد بفلوسه أو وظيفته أو رأي الناس فيه. أما السر اللي فضل مخبي طول الوقت، فكان بسيطًا جدًا:

المية مليون ما غيرتش فريدة. هي فقط كشفت لها حقيقة الناس اللي حواليها. ولو كانت أعلنت الجائزة ليلة رجوعها، كانوا كلهم ممكن يتحولوا فجأة لأشخاص “بيحبوها”. لكنها سكتت. وسابتهم يكشفوا نفسهم بنفسهم. وفي آخر يوم من السنة، كانت قاعدة جنب ابنها، وحطت ورقة اللوتاري القديمة في صندوق صغير. ابنها سألها: “ماما، الورقة دي مهمة ليه؟” ابتسمت وقالت: “عشان تفكرني إن أكبر مكسب في حياتي مش الفلوس.” “أمال إيه؟” حــ,,ـــــضنته وقالت:

“إني عرفت قيمتي… قبل ما الناس تعرف قيمتي.” ومن يومها، عاشت فريدة حياتها من غير ما تستنى تقدير من أم، ولا احترام من زوج، ولا موافقة من إخواتها. لأنها أخيرًا فهمت إن الكرامة اللي أبوها علمها تحافظ عليها… كانت أغلى من المية مليون نفسها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى