منوعات

رجعت علي البيت الجزء التاني

فضلت باصص على الإيصالات في إيد هناء، وأنا مش قادر أستوعب. قلت لها: — طب الفلوس راحت فين؟ ومين كان بيستلمها؟ هناء سكتت شوية، وبعدها مدت إيدها بآخر ورقة وقالت: — بص في الإمضاء. مسكت الورقة، ولقيت اسم أمي. قلبي وقع. — أمي؟! هزت هناء راسها وقالت: — أيوه. أول كام شهر كنت بسألهم على الفلوس، قالولي إنك وقفت تبعت. وبعدها أختك قالت لهم إنك اتجوزت عليا وسايبني، وإنك مش عايزني أعيش في البيت. ولما حاولت أكلمك، موبايلك كان دايمًا مقفول في وشي.

بصيت لها وقلت: — بس أنا عمري ما غيرت رقمي! قالت: — عارفة. وبعدين طلعت من العلبة تليفون قديم مكسور الشاشة. — ده موبايلي القديم. كل الرسايل اللي بعتها لك موجودة. وكل مرة كنت بتتصل، كانوا بياخدوا التليفون مني. فتحت الرسائل، ولقيت عشرات الرسائل منها، كلها ما وصلتش لي. في اللحظة دي فهمت إن السنتين اللي قضيتهم في الغربة وأنا فاكر إن مراتي عايشة في أمان، كانت هي بتعيش في عشة وسط الغيط.

رجعت البيت وأنا مولع من جوايا. أول ما دخلت، لقيت أختي سمر قاعدة على الكنبة الجديدة، وشريف جنبها، وأمي واقفة بعيد. حطيت الإيصالات قدامهم على الترابيزة. وقلت: — مين اللي كان بياخد فلوسي؟ سمر حاولت تنكر: — إحنا ما عملناش حاجة. حطيت آخر إيصال قدامها. — طب ودي إمضتك إيه؟ سكتت. شريف حاول يدخل بينهم وقال: — يا ابني إحنا كنا بنصرف على البيت. ضحكت بسخرية: — البيت؟ ولا الشاشة الجديدة والمشاية والعفش اللي لسه بالكرتونة؟

أمي بدأت تعيط وقالت: — أنا غلطت يا ابني. بصيت لها وقلت: — غلطتي؟ إنتِ سيبتي مرات ابنك تتبهدل وهي فاكرة إن ابنها اللي في الغربة ناسيها، وإنتِ كنتِ بتاخدي فلوسه! سمر انهارت واعترفت إن هي وشريف كانوا بيستلموا جزء من التحويلات، وأمي كانت بتستلم الباقي، واتفقوا يقولوا لي إن هناء سابت البيت بإرادتها. لكن الحقيقة كانت أسوأ. هم اللي طردوها. ولما رفضت تمشي من غير ما تعرف مصير فلوسها، قالوا لها إن جوزها مش عايزها، وإن الأفضل تختفي من حياته.

هناء وقتها ما كانش معاها فلوس كفاية حتى تستأجر مكان، فاستأجرت العشة المهجورة بإيجار بسيط، وبدأت تشتغل في الخياطة عشان تعيش. والكلب العسلي اللي لقيته جنبها كان كلب شارع مصاب، عالجته وأكلته، وبقى هو أنيسها الوحيد. رجعت لهناء تاني يوم، ووقفت قدامها وأنا حاسس إن كلمة آسف قليلة جدًا. قلت لها: — أنا مش هطلب منك تنسي اللي حصل. بس هطلب منك تديني فرصة أصلح اللي اتكسر. هناء بصت لي فترة طويلة، وقالت:

— أنا مش زعلانة إنك كنت بعيد. أنا زعلانة إنك وثقت فيهم أكتر ما وثقت فيا. الكلمة وجعتني. رجعت معاها البيت، لكني ما رجعتش لنفس البيت اللي خرجت منه. غيرت كل الحسابات البنكية، وطلبت كشف كامل بكل التحويلات، واسترديت جزءًا كبيرًا من الأموال اللي اتاخدت من غير حقي، والباقي تحملت خسارته باعتباره ثمن ثقتي العمياء. أما أمي وأختي وشريف، فبعد ما اعترفوا بكل اللي عملوه، قطعت عنهم أي صلاحية على حساباتي، وطلبت منهم يبعدوا عن حياتي وحياة هناء.

وبعت لهم مبلغًا واحدًا فقط يكفيهم يسددوا الديون اللي تسببوا فيها، بشرط إنهم ما يقربوش من هناء تاني. بعدها اشتريت لهناء بيتًا صغيرًا هاديًا في نفس المحافظة، وكتبت ملكيته باسمها بالكامل. لكن هناء رفضت تعيش فيه لوحدها. قالت لي: — لو هنبدأ من جديد، نبدأ سوا. بس المرة دي مفيش أسرار ولا حد يدخل بينا. وافقت. وبعد شهور، رجعت أشتغل وأقضي جزءًا أكبر من وقتي في مصر، وخليت إدارة الشركة في الغربة بنظام يخليني مش مضطر أعيش بعيد عنها طول السنة.

أما الكلب العسلي، فبقى أول واحد يدخل بيتنا الجديد. هناء سمته “سند”. وفي أول ليلة لنا في البيت، قعدنا في البلكونة، والكلب نايم تحت رجلينا. طلعت علبة القطيفة اللي كنت جايبها يوم رجوعي الأول. فتحتها، وطلعت السلسلة الدهب. قلت لها: — دي كنت جايبها لك قبل ما أعرف كل اللي حصل. ابتسمت لأول مرة من سنين، وخلتني ألبسهالها. وقالت: — دلوقتي بس حسيت إنك رجعت فعلًا. ومن يومها، فهمت إن أكبر خسارة مش الفلوس اللي راحت.

أكبر خسارة كانت سنتين من عمرنا ضاعوا بسبب كذبة. لكننا قدرنا نبدأ من جديد، لأن الحقيقة مهما اتأخرت… لما تظهر، تقدر ترجع للناس حقها، وتكشف مين كان بيحبك بجد ومين كان عايش على حسابك.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى