فضلت واقف عند باب الأوضة مش قادر أتحرك. اللي شفته كان أغرب من أي حاجة ممكن أتخيلها… الأوضة كانت مليانة أواني كبيرة، وفي نصها جهاز غريب مركب بطريقة بدائية، والحاجة سُكينة كانت بتكسر العضم وتحطه جوه الأواني واحدة واحدة. لكن المفاجأة الحقيقية ما كانتش في العضم… كانت في الحيطان. كل الحيطان كانت مغطاة بصور قديمة جدًا، صور لناس وأماكن مختلفة، وتحت كل صورة تاريخ واسم. وفجأة سمعت صوتها من ورايا:
— شوفت يا أحمد؟ جسمي اتجمد. لفيت ببطء، لقيتها واقفة ورايا ووشها هادي جدًا. قلت بصعوبة: — إيه اللي إنتي بتعمليه هنا يا حاجة؟! قعدت على الكرسي وقالت: — كنت عارفة إنك هتكتشف في يوم. وبدأت تحكيلي الحقيقة. من سنين طويلة، كانت الحاجة سُكينة بتعمل مشروع خيري صغير من بيتها. كانت بتجمع بقايا العضم من الجزارين، وتستخدمه في صناعة مادة طبيعية تدخل في صناعة الصابون والمنظفات، وكانت بتبيع المنتجات دي بكميات صغيرة، وكل قرش تكسبه كانت بتحطه في صندوق مخصوص لمساعدة الأسر المحتاجة.
أما الصور اللي على الحيطان… فدي كانت صور الناس اللي ساعدتهم على مدار سنين. أيتام، أسر مديونة، مرضى، وطلبة مش قادرين يكملوا تعليمهم. بصيت لها وأنا مش قادر أتكلم. وقلت: — طب ليه مخبية كل ده؟ وليه ما قولتيليش؟ ابتسمت وقالت: — عشان الخير لما يتحكي عنه كتير، ساعات صاحبه ينسى هو بيعمله ليه. وبعدين فتحت درج قديم وطلعت منه ظرف. مدتهولي وقالت: — وده ليك. فتحته، لقيت فلوس تكفي مصاريف دراستي لفترة طويلة.
بصيت لها مصدوم: — إنتي كنتي بتساعديني أنا كمان؟ ضحكت وقالت: — أيوه يا ابني… من أول شهر عرفت إنك بتنام من غير أكل عشان توفر تمن الكتب. وقتها دموعي نزلت من غير ما أحس. أنا اللي كنت فاكرها ست عجوز غريبة بتشتري 15 كيلو عضم كل يوم… طلعت إنسانة قضت عمرها كله بتساعد ناس محدش يعرف عنهم حاجة. بعدها بأيام، حكيت لوالدي كل حاجة، وهو أصر إننا نردلها الجميل.
لكن الحاجة سُكينة رفضت أي فلوس. وقالت: — لو عايز ترد الجميل، ساعد غيرك لما تقدر. بعد سنين، خلصت هندسة واشتغلت، وأول مرتب كبير خدته اشتريت بيه معدات لمشروعها، وحولنا المكان الصغير لمؤسسة خيرية حقيقية. والحاجة سُكينة فضلت عايشة في نفس شقتها لحد آخر أيامها. وقبل ما تمشي من الدنيا، نادتني وقالت: — فاكر يوم ما كنت مستخبي ورا الستارة؟ ضحكت وسط دموعي وقلت: — عمري ما هنساه. قالت: — وأنا كمان… عشان اليوم ده عرفت إن ربنا لسه بيبعتلي ناس أقدر أسيب لهم الخير من بعدي.
ومن يومها، كل ما أشوف كيس عضم عند الجزار، ما بشوفش حاجة مقززة أو غريبة… بفتكر ست عندها 80 سنة علمتني إن أحيانًا أكتر الناس اللي بنستغرب تصرفاتهم بيكون وراهم حكاية عمرنا ما تخيلناها. والسر اللي كنت فاكر إنه هيجنني… هو نفسه اللي غيّر حياتي كلها.