فضلت باصة لمروة وأنا مش قادرة أستوعب كلامها. قلت لها بصوت مبحوح:
“يعني إيه ممكن يأذيني؟ أحمد عمره ما وجعني… بالعكس، أنا بعد الجلسة بحس إني خفيفة ومرتاحة.” مروة مسكت إيدي وقالت:
“وده بالضبط اللي مخوفني. الراحة المؤقتة مش معناها إن اللي بيحصل صح.” وبدأت تسألني بالتفصيل عن كل جلسة. وبعد ما حكيت لها، قالت لي إن مفيش حاجة اسمها إن الحوض “بيرحل سنة” كل أسبوع ويتظبط بنفس الطريقة، وإن أي تعامل مع منطقة الحوض أو العمود الفقري لازم يكون عن طريق مختص، خصوصًا لو فيه ضغط متكرر أو طقطقة مقصودة.
لكن كان فيه سؤال واحد لسه معلق في دماغها. قالت:
“نورا… جوزك اتعلم الكلام ده فين؟” هزيت راسي:
“معرفش. كان دايمًا بيقول إنه قاري في الموضوع.” مروة سكتت لحظة. وبعدين قالت:
“يبقى لازم نعرف هو كان بيعمل إيه بالظبط.” رجعت البيت وأنا لأول مرة في حياتي حاسة إن كل حاجة حواليا غريبة. دخلت لقيت أحمد مستنيني. ابتسم وقال:
“حمد لله على السلامة يا حبيبتي. اتبسطتي؟” بصيت له وقلت:
“آه.” قرب مني وقال:
“طب إيه رأيك نعمل الجلسة النهارده؟”
قلبي دق بسرعة. ولأول مرة من سبع سنين قلت له: “لأ.” ابتسامته اختفت للحظة. قال:
“لأ ليه؟” رديت:
“الدكتورة مروة قالت لي إن اللي بتعمله مش طبيعي ولازم أكشف عند متخصص.” وشه اتغير. حاول يضحك:
“مروة؟! هي هتفهم أكتر مني؟” قلت:
“آه… عشان هي دكتورة.” سكت. وفي اللحظة دي دخلت أمه. أول ما سمعت كلامنا، قالت:
“مروة قالت لك إيه؟” بصيت لها باستغراب. “إنتِ عارفة؟” سكتت. أحمد بص لها بسرعة، وهي بصت له.
وهنا فهمت إن فيه حاجة أكبر من مجرد جلسة غلط. قلت:
“إنتوا مخبيين عني إيه؟” أحمد حاول يهديني. “مفيش حاجة يا نورا.” لكن أمه قالت فجأة: “خلاص يا أحمد… كفاية.” بصلها بغضب. لكنها كملت: “مراتك لازم تعرف.” وقعدت على الكرسي، وقالت إن أحمد من سنين كان مهووس بفكرة إن زوجته لازم تجهز نفسها للحمل والولادة، وإنها كانت أول واحدة شجعته على إنه يتعلم بعض الحركات اللي كان بيعتقد إنها تساعد على “توسيع الحوض”.
اتصدمت. قلت:
“يعني كل السنين دي كنت بتعمل فيا تجارب؟” أحمد حاول يقاطعها:
“أنا كنت فاكر إني بساعدك!” لكن أمه ردت:
“إنت ماكنتش دكتور، وكان لازم توقف من زمان.” ساعتها خرجت من البيت وروحت لمروة. وفي اليوم التالي عملت فحوصات كاملة عند طبيبة متخصصة. والحمد لله، الفحوصات ما أظهرتش إصابة خطيرة، لكن الطبيبة أكدت لي إن الاستمرار في أي ضغط أو تلاعب غير متخصص بمنطقة الحوض والظهر ممكن يسبب مشاكل، ونصحتني أوقف تمامًا وألتزم بالعلاج المناسب لظهري.
رجعت البيت بعدها بيوم. أحمد كان مستنيني. قال:
“أنا آسف.” ما رديتش. قال:
“أنا والله ما كنت أقصد أضرك.” بصيت له وقلت:
“المشكلة مش إنك كنت عايز تضرني. المشكلة إنك عملت حاجة طبية من غير ما تكون طبيب، وخبيت عني إنك مش متأكد منها.” نزل عينه وقال:
“عندك حق.” ومن اليوم ده، أحمد اعترف بكل حاجة. هو فعلًا كان بيقرأ عن الموضوع من مصادر على الإنترنت، وكان مقتنع إن الحركات دي مفيدة، لكنه عمره ما درسها دراسة طبية، وكل مرة كان يسمع فيها صوت الطقطقة كان يعتبرها دليل إن الحركة نجحت.
وأمه كانت تعرف إنه بيعمل كده، وكانت بتشجعه لأنها كانت مستعجلة تشوف حفيد. أما أنا، فكنت عايشة سبع سنين وأنا فاكرة إن ده دليل على حبهم واهتمامهم بيا. لكن الحقيقة كانت إنهم كانوا فاهمين الموضوع غلط. أحمد اعتذر لي قدام أمه، واتفقنا إن أي حاجة تخص صحتي هتكون مع طبيب متخصص، مش اجتهاد من أي حد. ومع الوقت، بدأ يرجع يثبت لي إنه فهم غلطته فعلًا، مش بالكلام، لكن باحترامه لحدودي وحرصي على صحتي.
بعد شهور، قابلت مروة. ضحكت وقالت لي:
“فاكرة اليوم اللي قولت لك فيه الجملة دي؟” ضحكت وقلت:
“أنساه إزاي؟ أنا كنت فاكرة إنك هتقولّي إن جوزي ملاك!” قالت:
“هو ممكن يكون بيحبك فعلًا، بس الحب لوحده مش بديل للعلم.” الكلمة فضلت في دماغي. ورجعت البيت وأنا لأول مرة من سبع سنين مرتاحة بجد. مش عشان جلسة “العضم” نجحت… لكن عشان أخيرًا بقيت أعرف إيه اللي بيحصل في جسمي، ومحدش بقى يقرر عني من غير ما أفهم.
ومن يومها، يوم الجمعة اتغير. بدل ما يبقى يوم الجلسة السرية، بقى يوم بنخرج فيه أنا وأحمد نتغدى سوا. وكان كل ما يشوفني بقول له: “فاكر جلسة العضم؟” يضحك ويقول: “والله ما هنسى اليوم اللي اكتشفت فيه إني كنت جاهل وبعمل نفسي دكتور!” وأنا أضحك وأرد: “المهم إنك اتعلمت.” وبكده، السر اللي عاش معانا سبع سنين انتهى، واتحلت المشكلة من جذورها، ورجعت علاقتنا مبنية على الثقة والصراحة، مش على الخوف ولا الاجتهاد في حاجة تخص الصحة.
