إيدي كانت بتترعش وأنا ماسكة الظرف. بصيت للست وقلت: — إنتِ مين؟ وإزاي معاكي جواب بخط بنتي؟ الست دموعها نزلت. وقالت: — اسمي منى… وأنا كنت أقرب واحدة لسارة في الفترة الأخيرة من حياتها. قلبي اتقبض. — يعني إيه أقرب واحدة؟ بصت ناحية قبر سارة وقالت: — سارة كانت بتشتغل معايا قبل ما تولد. اتصدمت. — بنتي كانت بتشتغل؟ — أيوه. وبعدين مدت إيدها على الظرف. — افتحيه. فتحت الظرف ببطء.
جواه جواب طويل. وأول سطر فيه كان: “ماما… لو إنتِ بتقري الرسالة دي، يبقى أنا مقدرتش أقولك الحقيقة وأنا عايشة.” نفسي اتقطع. كملت القراءة. “أنا عارفة إنك هتسأليني عن آدم وأبوه.” إيدي وقفت. دي أول مرة ألاقي إجابة على السؤال اللي عذبني عشر سنين. كملت. “بابا آدم اسمه ياسر.” وقفت عن القراءة. رفعت عيني لمنى. — ياسر مين؟ قالت: — كان زميل سارة في الجامعة. قلبي دق بسرعة. كملت الرسالة.
“ياسر كان بيحبني، وكان ناوي يتجوزني. لكن لما عرف إني حامل، حصلت مشكلة كبيرة بينه وبين أهله. أهله رفضوا الجواز، وهو طلب مني أستنى شوية لحد ما يقدر يواجههم.” سكتت لحظة. وبعدين قرأت: “أنا مكنتش خايفة منه… أنا كنت خايفة عليه.” دموعي نزلت. لكن المفاجأة كانت في السطر اللي بعده. “قبل ولادتي بأسبوع، ياسر مات.” حطيت إيدي على قلبي. منى قالت بهدوء: — ياسر توفى في حادث، وسارة عرفت بالخبر قبل ولادتها بيومين.
بصيت لها وأنا مش قادرة أتكلم. — طب ليه مخبتش عليا؟ منى ردت: — علشان كانت عارفة إنك لو عرفتي، هتدوري ورا أهله، وهتدخلي في مشاكل، خصوصًا إنهم وقتها كانوا رافضين يعترفوا بأي حاجة. رجعت للرسالة. “ماما، أنا عارفة إنك هتكرهي نفسك علشان معرفتيش الحقيقة. بس أوعديني ما تلوميش نفسك.” بدأت أعيط بصوت مسموع. “أنا اخترت السكوت علشان أحميكي، وأحمي ابني من أي مشاكل.” آخر جزء في الرسالة كان: “لو في يوم آدم سأل عن أبوه، قولي له إن أبوه كان بيحبه، وكان نفسه يكون معاه، لكن ربنا كتب له عمر قصير.”
لكن كان فيه ورقة تانية جوه الظرف. طلعتها. وكان فيها عنوان. وعليه اسم: عائلة ياسر. بصيت لمنى. — يعني إنتِ كنتِ عارفة مكانهم كل السنين دي؟ قالت: — أيوه. — طب ليه جيتي دلوقتي؟ ابتسمت بحزن. — علشان وعدت سارة. — وعدتيها بإيه؟ قالت: — قالتلي: “لو أمي قدرت تربي آدم لحد ما يبقى عنده عشر سنين، روحي لها وقولي لها الحقيقة.” سألتها: — وليه عشر سنين بالذات؟ قالت: — علشان كانت شايفة إن آدم وقتها هيبقى كبير كفاية يفهم إن أبوه مش تخلى عنه.
في اللحظة دي سمعت صوت آدم من ورايا: — تيتة؟ لفيت بسرعة. كان واقف ماسك الكارت اللي عمله لأمه. بص للست الغريبة. وبعدين بصلي. — مين دي؟ مسحت دموعي بسرعة. قربت منه وح.ضنته. وقلت: — دي ست كانت تعرف ماما. آدم سكت. وبعدين سأل: — تعرف بابا؟ بصيت لمنى. هي هزت رأسها. وأنا لأول مرة بعد عشر سنين، قلت لحفيدي: — أيوه يا آدم… أخيرًا عرفنا بابا كان مين. بعدها بأيام، رحنا لبيت عائلة ياسر.
في البداية كانوا مترددين جدًا. لكن لما شافوا صورة سارة، والرسالة، وصور آدم، انهارت والدة ياسر من البكاء. قالت: — أنا ظلمت سارة. عرفنا وقتها إن ياسر كان بالفعل متمسك بسارة، وكان ناوي يتجوزها، لكن الخلاف مع أسرته عطّل كل شيء. والأهم… إن ياسر كان سايب جوابًا لأهله قبل وفاته، يطلب منهم لو حصل له شيء ألا ينسوا سارة وابنه. لكن الجواب اتخبى وسط أوراقه، ومحدش عرف عنه حاجة. أهله اعتذروا.
وأنا لأول مرة حسيت إن بنتي أخيرًا رجع لها حقها. مش فلوس. ولا انتقام. حقها إنها تتفهم. وإن ابنها يعرف إن أبوه ماكانش شخصًا مجهولًا رماه واختفى. كان شابًا أحب أمه، وكان يتمنى يعيش مع ابنه. مرت شهور. آدم بدأ يزور عيلة أبوه. وأصبح عنده صور لياسر، وحكايات عنه، وأصبح يعرف من أين جاءت ملامحه. وفي يوم، رجع البيت ومعاه صورة قديمة لأبوه. حطها قدام صور سارة. وقال: — كده أنا بقيت أعرف الاتنين.
بصيت للصورتين ودموعي نزلت. وقلت: — مامتك لو كانت عايشة كانت هتفرح بيك أوي. آدم ابتسم وقال: — وأنا مش زعلان منها يا تيتة. — ليه؟ — علشان هي سابتلي أحسن أم… إنتِ. ح.ضنته. وساعتها فهمت إن سارة، رغم إنها رحلت بدري جدًا، كانت مخططة إنها تسيب لابنها الحقيقة في الوقت الصح. وبعد عشر سنين من الأسئلة والوجع… آدم أخيرًا عرف أبوه. وأنا أخيرًا عرفت إن بنتي ما كانتش ساكتة لأنها ما وثقتش فيا… كانت ساكتة لأنها كانت بتحاول تحميني.
ومن يومها، بقى عندنا مكانين نزورهم كل سنة… قبر سارة… وقبر ياسر. وأحكي لآدم عنهم الاتنين. وانتهى السر اللي سارة أخدته معاها عشر سنين… من غير ما يضيع حقها، ومن غير ما يفضل آدم طول عمره بيسأل: “مين كان بابا؟”
