بعد أسبوعين من وفاة الحاج، كان عادل وتامر قاعدين في الصالة بيتكلموا عن العمارتين. كل واحد فيهم كان بيحسب في دماغه الإيجار الشهري اللي هيقبضه. أما راضي، فكان ساكت. من يوم وفاة أبوه، وهو مش قادر ينسى جملته: “كفاية عليك مراتك.” كان كل ما يفتكرها يحس بغصة. مش عشان العمارة. لكن لأنه كان فاكر إن أبوه شافه أقل من إخواته. في اليوم ده، جرس الباب رن. دخل راجل في الخمسينات، لابس بدلة بسيطة، ومعاه حقيبة أوراق.
قال: — أنا المحامي اللي كان بيتابع شغل الحاج. عادل قام بسرعة. — خير؟ إحنا خلصنا كل إجراءات الملكية. المحامي ابتسم وقال: — أنا عارف. وعشان كده أنا جاي النهارده. حط الحقيبة على الترابيزة وفتحها. طلع عقدين. وقال: — العمارتين بالفعل اتسجلوا باسم عادل وتامر زي ما والدكم قال. عادل ابتسم. وتامر اتنفس براحة. لكن المحامي كمل: — بس دي مش كل أملاك الحاج. الابتسامة اختفت من وشوشهم. طلع ورقة تالتة.
— والدكم كان عنده عقار تالت. عادل قال بسرعة: — عقار إيه؟! — قطعة أرض كبيرة جدًا، وعليها مشروع تجاري كان بيتجهز من حوالي أربع سنين. تامر قال: — ومين مالكها؟ المحامي بص ناحية راضي. — راضي. الصالة كلها سكتت. راضي قام من مكانه. — أنا؟ المحامي هز رأسه. — أيوه. عادل انفعل: — مستحيل! أبونا ما قالش الكلام ده! المحامي رد بهدوء: — هو قال. وبعدين طلع ورقة مكتوبة بخط الحاج.
قرأ منها: “أنا أعطيت عادل وتامر العمارتين لأنهم طلبوا مني أكتر من مرة يساعدهم في حياتهم ومشاريعهم. أما راضي، فهو الوحيد اللي عمره ما طلب مني حاجة.” راضي بدأ يقرأ الورقة بإيد بتترعش. وكمل المحامي: “راضي عمره ما وقف على بابي يطلب فلوس، ولا مرة عايرته إني ساعدته، ولا مرة حسسني إنه مستني مني ورث.” سحر كانت بتبص للورقة وهي مش قادرة تمنع دموعها. المحامي كمل: “وعشان كده، أنا عايز أضمن له ولأولاده مستقبلهم.”
ثم ظهرت المفاجأة الأكبر. الأرض لم تكن مجرد قطعة أرض. كان الحاج قد دخل في شراكة لبناء مجمع تجاري عليها، وكل العقود والحصص كانت مسجلة باسم راضي من أربع سنوات. يعني طوال السنوات الماضية… راضي كان يملك أصلًا شيئًا قيمته أكبر بكثير من العمارتين. لكن الحاج تعمد ألا يخبر أحدًا. حتى راضي نفسه. سحر قالت وهي تبكي: — طب ليه قال له كفاية عليك مراتك؟ المحامي ابتسم. — عشان دي كانت طريقته في الهزار… وكان يقصد إن أعظم رزق في حياة راضي هو مراته اللي وقفت جنبه طول السنين.
راضي قعد مكانه. وحط إيده على وشه. وبدأ يعيط. مش عياط فرح. عياط راجل اكتشف بعد مو.ت أبوه إن أبوه ما كانش ظالمه أبدًا. كان شايله في قلبه أكتر مما تخيل. أما عادل وتامر، فكانوا ساكتين. لأول مرة، حسوا إنهم ظلموا أخوهم لما ضحكوا عليه. تامر قال بصوت منخفض: — إحنا آسفين يا راضي. عادل كمان قال: — أبوك كان عارف إنك مش بتطلب… فاداك أكتر حاجة. راضي بص لهم وقال:
— أنا مش زعلان منكم. ثم ابتسم بحزن: — أنا زعلان إني صدقت لحظة إن أبويا ممكن يكون شايفني أقل منكم. في اللحظة دي، دخل ابنه الصغير، نفس الطفل اللي كان قبل كده سأل أمه: “هو جدي مش بيحبنا؟” كان ماسك صورة جده. قال لراضي: — بابا… جدو كان بيحبنا؟ راضي نزل لمستواه، وح.ضنه وقال: — أكتر مما تتخيل يا حبيبي. وبعدين أشار للصورة. — جدك كان عايز يطمن عليك وعلى إخواتك من غير ما يخليكم تتخانقوا على الفلوس.
وبالفعل، بعد فترة، اتضح إن الحاج كان كاتب توصية واضحة بضرورة عدم بيع الأرض أو تقسيم المشروع بشكل عشوائي، وإن راضي يدير المشروع ويخصص جزءًا من أرباحه لتعليم أولاد إخوته أيضًا. كان عايز يترك لأولاده الثلاثة حاجة. مش بس فلوس. كان عايز يترك لهم درس. إن العيلة أهم من الورث. عادل وتامر اعتذروا لسحر كمان عن كلام زوجاتهم وتعليقاتهم القديمة. أما السلايف، فكانوا في البداية في غاية الإحراج. واحدة منهم قالت لسحر:
— إحنا ظلمناكي. سحر ردت: — اللي حصل خلص. بس نفسي أولادنا ما يتعلموش إن قيمة الإنسان باللي في إيده. وبعد شهور، بدأ مشروع الأرض يشتغل. راضي ما اتغيرش. نفس البيت. نفس العربية. نفس عادته إنه يحمد ربنا على القليل والكثير. لكن أكتر حاجة اتغيرت كانت علاقته بإخواته. بقى بينهم احترام حقيقي. وابنه الصغير، كل ما حد سأله عن جده، كان يقول بفخر: — جدو كان بيحب بابا أوي… وعشان كده ساب له حاجة محدش كان متوقعها.
وفي يوم، راضي وقف قدام قبر أبوه. قال: — سامحني يا بابا… أنا فهمت كلامك متأخر. وبعد لحظة ابتسم وقال: — بس فهمت إنك ما كنتش بتقول “مراتك” علشان تضحك عليا. — كنت بتقولها علشان كنت عارف إن اللي واقف جنبي في الشدة دي، أغلى من أي عمارة. رجع لبيته، وسحر كانت مستنياه. بص لها وقال: — عارف أبويا كان عنده حق؟ ضحكت: — في إيه؟ قال: — قال كفاية عليا مراتي.
سحر ضحكت وقالت: — أخيرًا فهمت! راضي ابتسم. ومن يومها، بقت جملة الحاج اللي كل العيلة كانت فاكرها إهانة… أجمل جملة اتقالت في حق سحر وراضي. لأن الحاج ما كانش بيحرم ابنه من الميراث… كان بيخبّي عنه أكبر هدية لحد ما يتأكد إن إخواته أخدوا حقهم، وإن ابنه الأصغر مش هتغيره الفلوس. وهكذا، بدل ما الميراث يفرق الإخوات… سر الأب جمعهم من جديد.