الجزء التاني — الحقيقة اللي محدش كان متوقعها محمد فضل واقف مكانه مش قادر ينطق. والدته كانت ماسكة الحقيبة بإيديها، وبتبص على الفلوس كأنها مش مصدقة اللي شايفاه. لكن الصدمة الحقيقية ما كانتش في كمية الفلوس. كانت في الأوراق اللي كانت معاها. محمد فتح أول ظرف. وبعدين التاني. وفجأة وشه اتغير. قال: — يا أمي… دي إيصالات تبرعات. — تبرعات إيه؟ بدأ يقرأ. فلوس رايحة لجمعية بتساعد أسر فقيرة. ومصاريف علاج لناس مرضى.
وفواتير أدوية. والأغرب… كان فيه ملف كامل باسم أطفال أيتام. فاطمة اتلخبطت وقالت: — يعني كل الفلوس دي بتطلع من البيت؟ محمد قلب في الورق أكتر. لقى كشوف تحويلات قديمة، وإيصالات مرتبات، وقائمة مكتوب فيها بخط عزة: “مصروف البيت — مصاريف الأولاد — مساعدة ماما — علاج فلان — كفالة طفلين.” ساعتها محمد ضـ,ـرب كف على كف وقال: — إحنا عملنا مصيبة. وفي اللحظة دي، الباب اتفتح. دخلت عزة ومعاها الولدين.
أول ما شافت الحقيبة مفتوحة، وقفت مكانها. وبصت لمحمد. وبعدين لأمه. قالت بهدوء شديد: — دخلتوا شقتي من غير إذني؟ محمد ما عرفش يرد. عزة قربت، وخدت الحقيبة من إيد حماتها. وقالت: — كنتوا بتدوروا على إيه؟ فاطمة قالت بتوتر: — إحنا افتكرنا إنك مخبية فلوسك وبتحرمي جوزك وعيالك منها. عزة ابتسمت ابتسامة حزينة. وقالت: — وبدل ما تسألوني… فتشتوا شقتي؟ محمد نزل عينيه. — أنا غلطت يا عزة. لكن عزة ما سكتتش.
قالت: — لأ، الغلط مش إنك شكيت فيا بس. الغلط إنك صدقت إن فلوسي حقك تاخدها من ورايا. وبعدين فتحت دفتر صغير. قالت: — مرتبي كله تقريبًا بيتقسم تلات أجزاء. جزء لمصاريف الأولاد والحاجات اللي ناقصة في البيت، وجزء بحوشه للطوارئ، والجزء التالت بساعد بيه أمي وبكفل أسرتين من سنين. محمد قال: — طب وليه ما كنتيش بتدفعي مصاريف البيت كلها؟ ردت: — لأني من أول الجواز اتفقنا إن كل واحد يشيل جزء محدد. وإنت كنت عايزني أشتغل عشان أساعدك، وأنا فعلًا ساعدتك. دفعت مصاريف مدرسة الأولاد، وعلاجهم، ولبسهم، ومصاريف كتير إنت عمرك ما سألتني عنها.
محمد سكت. لأنه افتكر فعلًا. افتكر كام مرة كان ابنه محتاج علاج، وكانت عزة هي اللي دفعت. افتكر مصاريف المدرسة. وافتكر إنها عمرها ما طلبت منه فلوس لمصاريفها الشخصية. أما موضوع إنها كانت بترفض تديله الخمسة آلاف بتوع العربية، فقالت: — أنا رفضت عشان العربية كانت محتاجة تصليح كبير، وإنت كنت هتصلحها عشان شغلك، وأنا وقتها كان عندي فلوس محجوزة لعلاج ابني. لو كنت قلتلي ده وقتها، كنت هساعدك. بس إنت طلبت الفلوس كأنها حق مكتسب.
محمد حس بالذنب. أما فاطمة، فكانت ساكتة. لحد ما عزة قالت: — وأنتي يا ماما… أنا كنت بجيبلك هدايا وعلاج وحاجات كتير، بس عمري ما عملت ده عشان أقول لجوزي إني بعمله. فاطمة دموعها نزلت. وقالت: — سامحيني يا بنتي. لكن عزة ردت: — أنا مسامحاكي… بس مش هقبل تاني إن حد يدخل بيتي ويفتش حاجتي. محمد قرب منها وقال: — وأنا آسف. حقك عليا. وبعدها حصل اتفاق جديد بينهم.
فتحوا حسابًا مشتركًا لمصاريف البيت والأولاد، وكل واحد يحط فيه مبلغ متفق عليه كل شهر. وعزة فضلت محتفظة بجزء من مرتبها لنفسها، لأن ده حقها. ومحمد بقى مسؤول عن مصاريف العربية وشغله، بدل ما يعتبر مرتب زوجته حلًا جاهزًا لكل أزمة. أما فاطمة، فبقت أول واحدة تدافع عن عزة قدام العيلة. ولما حد قال يومًا: — مرات ابنك معاها فلوس وبتخبيها! ردت فاطمة: — دي فلوسها، وهي أدرى بتعبها. وأنا غلطت لما فكرت إن من حقي أعرف هي بتصرفها إزاي.
وبعد شهور، البيت اتغير تمامًا. محمد وعزة بقوا بيتكلموا في الفلوس قبل ما تحصل أي مشكلة. الأولاد بقوا مرتاحين. وعزة استمرت في شغلها، لكن المرة دي من غير ما تحس إنها مطالبة تثبت لأي حد إنها زوجة كويسة. أما الحاجة فاطمة، فأصبحت علاقتها بزوجة ابنها أحسن من الأول. وفي يوم، محمد سأل عزة: — إنتي عارفة إيه أكتر حاجة وجـ,ـعتني في اللي حصل؟ قالت: — إيه؟ قال: — إني اكتشفت إنك كنتي شايلة حاجات كتير عني… وأنا كنت فاكر إنك مش بتساعديني.
عزة ابتسمت وقالت: — المهم إنك عرفت دلوقتي. رد: — وعرفت كمان إن الفلوس مش هي المشكلة… المشكلة لما الثقة تختفي. ومن يومها، بقى لكل واحد في البيت حقه وخصوصيته ومسؤوليته. وعزة ما طلعتش بخيلة ولا أنانية زي ما اتقال عليها… طلعت بتدير فلوسها بطريقتها، وبتساعد ناس من غير ما تستنى شكر من حد. أما السر اللي قلب حياتهم كلها، فكان إن الفلوس اللي كانوا فاكرين إنها مخبيّاها عن جوزها، كانت في الحقيقة جزء كبير منها مخصصًا لأولادها، وأمها، وأسر محتاجة كانت بتساعدها في السر.
وانتهت الحكاية باعتذار، واستعادة الثقة، واتفاق واضح على مصاريف البيت… من غير ما حد يمد إيده على مال التاني أو يفتش وراه تاني