طلعت شقتي وقفلت الباب ورايا. حطيت القم.يص الأحمر على طرف السر.ير، وبصيتله شوية. وبعدين ضحكت. مش ضحكة فرح… ضحكة واحدة عارفة إن اللي جاي هيغير شكل البيت ده كله. دخلت الحمام، أخدت دش، ولبست هدومي المريحة، وعملت لنفسي كباية شاي. لأول مرة من عشر سنين، قعدت في شقتي وقت الغدا من غير ما حد يناديني. لا “يا سعاد هاتي المية”. ولا “يا سعاد انزلي شوفي الأكل”. ولا “يا سعاد الواد كب العصير”.
كنت قاعدة ساكتة، بس جوايا قرار أخدته من غير ما أقول لحد. بعد المغرب، أحمد طلع الشقة. فتح الباب وقال: — إنتِ لسه هنا؟ أمي مستنياكي تحت. بصيتله بهدوء وقلت: — تنزل ليه؟ اتنهد وقال: — يا سعاد، بلاش تكبري الموضوع. أمي كانت بتهزر. ضحكت بسخرية: — بتهزر؟ — أيوه. — وهي لما تهزر معايا ترميلي قميص نوم قدام أولادها وسلفاتي وعيالهم؟ وأنت تقعد ساكت؟ سكت أحمد. قلتله: — أنا مش زعلانة من القميص يا أحمد. أنا زعلانة إنك كل مرة بتختار السكوت لما تكون أمي هي اللي بتظلمني.
قال بضيق: — يعني عايزاني أعمل إيه؟ بصيتله وقلت: — ولا حاجة. أنا اللي هعمل. تاني يوم الصبح، أحمد نزل شغله. وأنا لأول مرة من عشر سنين، ما نزلتش عند حماتي. عملت حاجة بسيطة جدًا. كتبت ورقة. وقعدت أكتب فيها كل حاجة كنت بعملها في البيت. طبخ أربع مرات في الأسبوع. غسيل. تنظيف. سلالم. عزايم. مصاريف. مشتريات. خدمة الضيوف. رعاية الأطفال وقت ما سلفاتى يكونوا مشغولين. وحتى الحاجات الصغيرة اللي محدش كان شايفها.
وبعدها قسمت المهام على الأربع شقق. ولما جه ميعاد الغدا، بعثت الورقة لكل واحدة من سلفاتي. بعدها بعشر دقايق، التليفون رن. كانت أمينة. — إيه اللي إنتِ عاملاه ده يا سعاد؟! رديت بهدوء: — اللي حضرتك طلبتيه. — طلبت إيه؟! — حضرتك قلتيلي أتعلم من سلفاتي وأبقى زيهم… فقلت خلاص، كل واحدة تشيل نصيبها. سكتت. كملت: — أنا مش خدامة عند حد يا حاجة أمينة. أنا مرات ابنك زيهم بالظبط.
قفلت معاها. الغريب إن اليوم ده البيت كله اتقلب. سلفاتي لأول مرة نزلوا المطبخ. واحدة قالت: — أنا أصلًا مش بعرف أطبخ. قلت: — ولا أنا اتولدت بعرف. التانية قالت: — جوزي مش هيحب إني أنزل أساعد. رديت: — وجوزي كان بيحب إني أشتغل من الفجر لحد نص الليل؟ محدش رد. وبعد أسبوع، حصلت حاجة ماكنتش متوقعة. أحمد رجع من الشغل بدري. لقي أمه قاعدة لوحدها. سألها: — فين الغدا؟
قالت: — معرفش… سعاد مبقتش تنزل. أحمد سكت. وبعدين قال: — يعني إيه مبقتش تنزل؟ ردت بعصبية: — مراتك اتجننت. عاملة فيها ست كبيرة ومبطلتش خدمة البيت. بصلها وقال: — بس يا أمي… هي كانت بتعمل كل ده ليه أصلًا؟ أمه ردت: — عشان مرات ابني! قال أحمد: — وإخواتي مراتاتهم مش مرات ولادك؟ الكلمة دي كانت أول مرة أحمد يقولها قدام أمه. أمينة اتفاجئت. لكن المفاجأة الأكبر حصلت بعد يومين.
أحمد طلع لي الشقة، وقعد قدامي. وقال: — أنا عايز أعتذرلك. بصيتله وسكت. قال: — أنا كنت فاكر إن سكوتي بيحل المشاكل. طلع سكوتي هو اللي كان بيكبرها. دموعي نزلت من غير ما أحس. قلتله: — أنا مكنتش محتاجة منك تحارب أمك عشاني. كنت محتاجة بس تقول لها: عيب. هز راسه. — عندك حق. ومن اليوم ده، أحمد حط حدود واضحة. الأكل بقى مسؤولية مشتركة. كل بيت مسؤول عن شقته.
وأي تجمع عند حماتي يبقى بمساعدة الكل. أما أنا، فبطلت أضحي بصحتي ووقتي عشان أرضي ناس شايفين خدمتي واجب. بعد فترة، أمينة نفسها بدأت تتغير. وفي يوم دخلت عليا الشقة، وقعدت جنبي. كان في إيدها نفس الكيس الأسود. أنا بصيت للكيس، فابتسمت وقالت: — متخافيش… المرة دي جايبالك حاجة تانية. طلعت منه عباية بيت بسيطة وقالت: — شوفتها وافتكرتك. ضحكت وقلت: — حلوة. سكتت شوية، وبعدين قالت: — أنا غلطت في حقك يا سعاد.
بصيتلها. كملت: — كنت شايفاكي بتعملي كل حاجة وساكتة، فافتكرت إنك مبسوطة بكده. مكنتش فاهمة إن سكوتك كان عشان تحافظي على البيت. قلت لها: — وأنا كمان غلطت إني سكت عشر سنين. هزت راسها. — بس سكوتك المرة دي علمني. ومن يومها، العلاقة بينا اتحسنت. مش زي الأول… لكن بقى فيها احترام. أما القميص الأحمر اللي بدأت بيه الحكاية؟ فضل عندي. مش عشان ألبسه. احتفظت بيه في كيس صغير، وكل ما أشوفه أفتكر اليوم اللي قررت فيه إن كرامتي مش حاجة أتنازل عنها عشان أرضي حد.
وفهمت إن أوقات أقوى رد على الإهانة… مش إنك تزعق. ولا إنك ترد الإهانة بإهانة. أقوى رد إنك تبطل تسمح للي بيهينك إنه يعتبر صبرك حق مكتسب. ومن يومها… سعاد بطلت تكون ست البيت اللي بتخدم الكل. وبقت ست ليها بيتها، ووقتها، وكرامتها.