شيماء نزلت السلم وهي بتكتم صوت بكاها، وكل خطوة كانت تقيلة عليها. كانت مش عارفة هتروح فين، لكنها كانت عارفة حاجة واحدة بس: إنها مش هترجع للمكان ده وهي بالشكل ده. خرجت من العمارة، وقعدت على أول كرسي قدام صيدلية لسه بتفتح، وحاولت تلتقط نفسها. الرضيع بدأ يتحرك ويصدـ,,ـــر صوتًا ضعيفًا. ضمته لصدـ,,ـــرها وقالت وهي بتبكي: — متخافش يا ابني… أمك مش هتسيبك. في نفس الوقت، كان جوزها اكتشف اختفائها.
دخل أوضتها، لقى السر,,ـــــير فاضي، والشنطة الصغيرة اختفت، وملابسها متجمعة بطريقة سريعة. أمه دخلت وراه وهي بتقول بعصبية: — هي راحت فين؟! بصلها، ولأول مرة عينه ما كانتش فيها استسلام. كانت فيها خوف. — إنتِ عملتي فيها إيه؟ — أنا؟! هي اللي هربت من البيت! — هربت ليه؟ سكتت. جوزها بص لأمه وقال: — أنا سمعتك امبارح وإنتِ بتقولي لها لازم تروحي تنظفي شقة أختي وهي لسه والدة. الأم بدأت تبرر:
— ما هو يوم واحد يا ابني! صرخ: — يوم واحد؟! وبص ناحية أوضة الطفل. — دي كانت بتقف بالعافية! سكت لحظة، وبعدين قال: — وإنتِ عايزاني أصدق إن الست اللي كانت بتعيط من الوجع وتقول إنها مش قادرة… خرجت بإرادتها عشان الدلع؟ لكن الصدمة الأكبر كانت لما اتصل بزوجته. الموبايل كان مقفول. اتصل بأهلها، فعرف إنهم أصلًا ما يعرفوش إنها خرجت، وإنهم كانوا قلقانين عليها من أول يوم ولادة.
وقتها بدأ يدور عليها بنفسه. أما شيماء، فكانت وصلت لبيت خالتها في نفس المنطقة بعد ما ساعدتها صاحبة الصيدلية ووفرت لها سيارة أجرة. أول ما خالتها فتحت الباب وشافتها شايلة الرضيع ووشها منهار، شهقت: — يا بنتي! إيه اللي حصلك؟ شيماء انفجرت في العياط. — أنا تعبت يا خالتي… تعبت من إني أفضل أبرر إن وجعي حقيقي. حكت لها كل اللي حصل. خالتها ما ناقشتهاش، وما قالتلهاش “استحملي عشان جوزك”.
قالت لها بس: — اقعدي. البيت بيتك. وإحنا هنشوف الموضوع بعقل. بعد ساعات، وصل جوزها. وقف قدام الباب، ولما شاف شيماء قاعدة والرضيع جنبها، عينه دمعت. — أنا آسف. شيماء بصت له بهدوء. — آسف على إيه؟ — على إني سيبتك لوحدك قدام أمي. وعلى إني صدقتها لما قالت إنك بتدلعي. سكت قليلًا، ثم قال: — أنا غلطت لما حطيت راحة أمي فوق تعب مراتي. شيماء ردت: — أنا مش عايزاك تختار بيني وبين أمك. أنا عايزاك بس تحط حدود.
جوزها هز رأسه. — عندك حق. لكنه ما طلبش منها ترجع في نفس اليوم. قال لها: — خدي وقتك. وأنا هصلح اللي أقدر عليه. وبالفعل، رجع البيت وواجه أمه وأخته. قال لهم بوضوح: — شيماء مش هتنضف بيت حد، ولا هتخدم حد وهي لسه والدة. ولو أختي جاية من السعودية، أنا اللي هجهز لها شقتها. أمه غضبت: — يعني مراتك هي اللي هتتحكم فيك؟ رد بهدوء: — لا. أنا اللي أخيرًا فهمت إني مسؤول عن بيتي.
بعدها بأيام، وصلت أخته من السعودية. كانت فاكرة إنها هتدخل شقة نظيفة وكل حاجة جاهزة، لكن لما عرفت الحقيقة، اتصدمت. قالت لأمها: — إنتِ كنتِ عايزة شيماء تنظف شقتي وهي لسه والدة؟! الأم حاولت تبرر. لكن الأخت لأول مرة وقفت ضدها: — أنا كنت أقدر أدفع لشخص ينضفها في يوم واحد. إيه اللي كان هيحصل لو شيماء تعبت أكتر؟ سكتت الأم. وهنا ظهرت الحقيقة الأهم. الأخت قالت إنها ما كانتش تعرف أي حاجة عن الكلام اللي اتقال لشيماء، وإنها أصلًا كانت متفقة مع أخوها إنها هتجيب شركة تنظيف للشقة.
جوز شيماء بص لأمه وقال: — يعني كل ده كان ممكن يخلص بمكالمة؟ لم ترد. بعد أسبوع، ذهب الزوج إلى بيت خالتها مرة أخرى. كان معاه شنطة صغيرة فيها حاجات للطفل. وقال لشيماء: — مش جاي آخدك غصب. جاي أطلب منك فرصة أصلح بيها غلطي. شيماء بصت له طويلًا. — ولو رجعت، مش هرجع عشان خايفة من كلام الناس. — وأنا مش هطلب منك ده. — ومش هخدم أمك. — مش هتخدمي حد.
— ولو تعبت، هقول إني تعبانة من غير ما حد يتهمني بالدلع. ابتسم بحزن. — ده حقك من أول يوم. بعد أيام، رجعت شيماء بيتها، لكن المرة دي رجعت بشروط واضحة. جوزها جهز لها غرفة مريحة، واتفق مع والدته إن أي خلاف بينهم يكون بالكلام ومن غير إهانة. أما أمه، فاعتذرت لشيماء اعتذارًا صريحًا، واعترفت إنها ظلــ,,ـــــمتها وإن كلامها عن أهل شيماء كان جارحًا. شيماء قبلت الاعتذار، لكن العلاقة احتاجت وقت عشان ترجع طبيعية.
ومرت الشهور. كبر الطفل، وبقى البيت مليان ضحك بدل الخناق. وفي أول أسبوع بعد الولادة الذي بدأ منه كل شيء، كان جوز شيماء واقفًا جنبها وهي بتحمل ابنها. بص لها وقال: — فاكرة اليوم اللي خرجتي فيه من البيت؟ ابتسمت وقالت: — فاكرة. — أنا وقتها كنت فاكر إني ممكن أخسرك. شيماء بصت لابنها وقالت: — وإنت كنت فعلًا هتخسرني… لو فضلت ساكت. مسك إيدها وقال: — عشان كده عمري ما هسكت تاني على ظلــ,,ـــــم ليكي.
وفي النهاية، شيماء ما كسبتش مجرد معركة مع حماتها. هي كسبت حقها في إنها تكون زوجة وأم وإنسانة لها حدود وكرامة. وجوزها اتعلم إن كلمة “خلاص بقى” ممكن تنهي خناقة في لحظتها، لكنها أحيانًا تفتح جرحًا جوه بيتك يفضل سنين. أما الطفل، فكبر في بيت اتعلم فيه أبوه وأمه أهم درس: العيلة مش اللي يطلب منك تستحمل الإهانة عشانها… العيلة الحقيقية هي اللي تحميك وقت ضعفك.