منوعات

رجعت من شغلي الجزء التاني

أول ما دخلت وقفلت الباب ورايا، بصيت لأحمد وأنا مش فاهمة. كان واقف في نص الصالة، لكن الشقة نفسها كانت مختلفة تمامًا عن الصبح. الترابيزة اتحركت من مكانها، الدولاب اللي جنب الباب مفتوح، وفي كرتونة قديمة كانت فوق الدولاب متحطوطة على الأرض. بصيت له وقلت: — إنت لسه هنا ليه؟ أنا قولتلك ليلة واحدة! ما ردش. فضل ساكت، وبعدين أشار بإيده ناحية باب أوضة عمر. قلت بخوف: — عمر؟ رد بسرعة:

— ابنك بخير. جريت على الأوضة، لقيت عمر واقف وبيغير هدومه، ولما شافني جري عليا وح.ضني. قلت له: — حصل حاجة يا حبيبي؟ قال: — لأ يا ماما… بس أحمد كان بيدور على حاجة. بصيت لأحمد. — بيدور على إيه؟ قال: — على حاجة تخصك. اتعصبت: — تخ.صني إيه؟! وإنت مين أصلًا عشان تفتش في حاجتي؟ مد إيده في جيبه وطلع ظرف بني قديم. وقال: — أنا مش لاقي طريقة أقولك بيها من غير ما أخوفك.

فتحت الظرف بإيدي المرتعشة. لقيت جواه صورة قديمة جدًا لست أنا عمري ما شوفتها قبل كده، ومعاها ورقة مكتوب عليها عنوان شقتي واسمي بالكامل. رفعت عيني له وقلت: — إنت جبت الحاجات دي منين؟ سكت شوية وقال: — من الراجل اللي كان ساكن هنا قبلك. اتجمدت. — إنت تعرف صاحب الشقة القديم؟ هز راسه. — كنت شغال معاه من سنين. قعدت على الكرسي وأنا مش فاهمة. وبدأ أحمد يحكي. قال إنه كان شغال فني صيانة، وإن صاحب الشقة القديم كان واحد كبير في السن، وقبل ما يمو.ت كان عنده بنت صغيرة عايشة معاه.

البنت دي اخ.تفت من سنين بعد مشكلة كبيرة حصلت في العيلة. وأحمد كان آخر شخص شافها. لكن المفاجأة إن الست اللي في الصورة… كانت هي نفسها صاحبة الشقة القديمة. قلت له: — بس دي مش أنا! قال: — عارف. وسكت لحظة. — بس في حاجة أنا اكتشفتها امبارح. قربت منه وأنا متوترة. — إيه؟ قال: — الراجل اللي كان ساكن هنا كان مخبي ورق مهم جدًا، وأنا كنت بدور عليه من زمان.

قلت: — وليه؟ طلع ورقة تانية. — لأن الورق ده يثبت إن الشقة دي اتباعت ليكي بطريقة فيها مشكلة. وقعت الورقة من إيدي. — يعني إيه؟ قال: — يعني ممكن يكون في حد تاني له حق فيها. أنا حسيت إن الدنيا بتلف بيا. كل التعب اللي كنت بعيشه، وكل جنيه بدفعه في الإيجار، وكل خوفي من صاحب العمارة… طلع وراه حكاية أكبر مني. لكن أحمد كمل: — بس أنا مش جيت آخد حاجة.

— أمال إنت جيت ليه؟ بص لعمر، وبعدين بص لي وقال: — عشان أحذرك. سكت شوية وقال: — الراجل اللي سلّمك الشقة ما.ت وهو عارف إن في حد بيدور على الورق ده. وأنا لما شفتك امبارح وعرفت إنك ساكنة هنا لوحدك، خفت عليك. قلت له: — طب ليه ما قولتليش من أول ليلة؟ قال: — لأني كنت عايز أتأكد الأول. وقتها فهمت ليه كان بيسألني عن الباب والحنفية، وليه كان مركز في كل تفصيلة في الشقة.

كان بيفتش على مكان مخبي فيه الورق. لكن المفاجأة الأكبر كانت إن الورق اللي كان بيدور عليه… كان موجود في الشقة فعلًا. تحت لوح خشب قديم في الدولاب. أحمد طلعه قدامي، وكان فيه عقد قديم وإيصالات ومستندات تثبت إن الشقة اتنقلت باسمي بشكل قانوني، وإن الشخص اللي كان بيطالب بيها بعد كده ملوش حق فيها. يعني كل اللي عمله أحمد وهو غايب… كان عشان يتأكد إن البيت اللي أنا وعمر عايشين فيه مش هيتاخد مننا.

أنا بصيت له وقلت: — بس أنا خوفت منك. ابتسم بحزن وقال: — ومن حقك تخافي. أنا راجل غريب دخل بيت ست لوحدها، حتى لو نيتي كويسة. وبعدين قام، لبس جاكته، وحط شنطته على كتفه. قلت له: — هتمشي؟ قال: — أيوه. مهمتي خلصت. وقبل ما يفتح الباب، ناديت عليه: — أحمد. لف لي. قلت: — شكرًا. ابتسم وقال: — إنتِ اللي فتحتيلي باب بيتك وأنا كنت محتاج مكان دافي. أنا بس رديتلك الجميل.

ومشي. بعدها بأيام، أحمد رجع يزورنا، لكن المرة دي من الباب، وفي وجود الجيران، وبعد ما عرفت حكايته كاملة. طلع فعلًا راجل كان عنده شغل وبيت وأسرة، لكنه خسر كل حاجة بعد حادثة كبيرة، ورفض يعيش على سؤال الناس، فاشتغل أي شغلانة يقدر عليها لحد ما رجله اتصابت واضطر يعيش فترة في الشارع. أما الورق، فثبت إن الشقة ملك قانوني لصاحبتها السابقة، وإن هدى مستأجرة فيها بعقد سليم. وأنا من يومها اتعلمت حاجتين:

إن الحذر مش معناه إننا نقفل قلوبنا… وإن الطيبة برضه لازم يكون جنبها عقل. وأحمد؟ ما بقاش “الراجل المشرد” اللي دخل بيتي ليلة. بقى إنسان ساعدني في وقت كنت فاكرة إني أنا اللي بساعده. وأكتر حاجة عمر فضل يفتكرها من القصة كلها إنه في يوم من الأيام قال لي: — شوفتِ يا ماما؟ لما ساعدناه… هو كمان ساعدنا. وض.ميته وأنا بضحك وقلت له: — أيوه يا حبيبي… بس المرة الجاية نساعد الناس وإحنا فاتحين عينينا برضه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى